تحل الذكرى الثامنة والأربعون بعد الأربعمئة والألف للهجرة النبوية المباركة، والمسلمون في شتى بقاع الأرض يستحضرون دروس الرحلة الأولى التي أسست لدولة الاستقرار. ومع ذلك، تبدو قيم الهجرة اليوم في مواجهة واقع مرير، حيث تحول الحق الطبيعي في التنقل إلى رحلة محفوفة بالمخاطر والقيود الحدودية المشددة.
تشير التقارير الدولية إلى أن العالم يشهد موجات نزوح غير مسبوقة، حيث عسكرت الدول الأوروبية حدودها، وامتدت هذه الإجراءات لتشمل دول جنوب البحر الأبيض المتوسط. هذا الواقع يضع المهاجرين بين مطرقة الاضطرار للرحيل وسندان الرفض والقيود التي تفرضها حتى الدول التي تشاركهم التاريخ والقيم.
وفقاً لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن أعداد اللاجئين بنهاية عام 2025 قد سجلت مستويات قياسية بلغت نحو 41.6 مليون لاجئ. كما تشير الإحصائيات إلى وجود 9 ملايين طالب لجوء، وأكثر من 68 مليون نازح داخلياً، مما يعكس حجم الاضطرابات العالمية المستمرة.
الحرمان من الجنسية يمثل وجهاً آخر للمأساة، حيث يفتقر نحو 4.5 مليون شخص للحقوق الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية وحرية الحركة. هؤلاء الأشخاص يعيشون في ظلال القوانين، محرومين من أبسط مقومات الحياة الكريمة التي تضمنها المواثيق الدولية والإنسانية.
على الصعيد العالمي، أُجبر أكثر من 117.8 مليون شخص على النزوح قسراً نتيجة الاضطهاد أو العنف أو انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة. وتكشف الأرقام الصادمة أن شخصاً واحداً من بين كل 70 شخصاً على كوكب الأرض قد اضطر للفرار من موطنه الأصلي للنجاة بنفسه.
أما في المنطقة العربية، فقد أظهر تقرير حالة الهجرة الدولية لعام 2025 الصادر عن 'الإسكوا' أن المنطقة أصبحت موطناً لـ44.5 مليون مهاجر ولاجئ. وتمثل هذه النسبة نحو 15% من إجمالي المهاجرين في العالم، مما يضع المنطقة في قلب أزمة اللجوء العالمية.
تظل الهجرة البينية سمة بارزة في الوطن العربي، حيث يفضل نصف المهاجرين العرب البقاء داخل حدود المنطقة العربية بدلاً من التوجه للغرب. وقد بلغت أعداد المهاجرين واللاجئين الذين تنقلوا داخل المنطقة نحو 18.1 مليون شخص خلال عام 2024، بحثاً عن بيئة ثقافية واجتماعية مشابهة.
النزوح الداخلي يمثل جرحاً نازفاً في الجسد العربي، إذ سجلت الإحصائيات وجود 28 مليون نازح داخل بلدانهم في عام 2023. وتتصدر دول مثل السودان وسوريا واليمن قائمة الدول التي تعاني من هذه الظاهرة نتيجة النزاعات المسلحة المستمرة وغياب الاستقرار السياسي.
قضية اللاجئين الفلسطينيين تظل الأبرز والأكثر تعقيداً، حيث تشير بيانات 'الأونروا' إلى استضافة المنطقة لنحو 6 ملايين لاجئ فلسطيني. وقد تسبب العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة والضفة الغربية في جعل ممر فلسطين-الأردن الأنشط في عام 2024، بعبور أكثر من 2.3 مليون شخص.
تعتبر مصر وفلسطين والسودان وسوريا واليمن المصادر الرئيسية لأهم عشرة ممرات تنقل داخل المنطقة العربية. وتساهم مصر وحدها في ثلاثة من هذه الممرات، مما يعكس دورها المركزي في حركة السكان والعمالة والنزوح المرتبط بالظروف الاقتصادية والسياسية.
خارج النطاق العربي، تظل القارة الأوروبية الوجهة المفضلة للمهاجرين واللاجئين العرب بنسبة تتجاوز 37%، أي ما يعادل 13.8 مليون شخص. وتأتي أفريقيا جنوب الصحراء في المرتبة الثانية، تليها أمريكا الشمالية كوجهة ثالثة تستقطب الكفاءات والباحثين عن حياة جديدة.
رغم المآسي المرتبطة بالهجرة، إلا أنها تمثل شريان حياة اقتصادياً للعديد من الدول، حيث بلغت التحويلات المالية الواردة للدول العربية نحو 66.2 مليار دولار. وتستفيد الدول المأزومة اقتصادياً من هذه الأموال، حيث تتصدر مصر القائمة باستقبالها أكثر من 31 مليار دولار من تحويلات أبنائها في الخارج.
إن الهجرة في جوهرها فعل اضطراري يدفعه غياب الأمان أو ضيق الرزق، وهو ما جسده النبي الكريم في وداعه لمكة المكرمة. فالمهاجر لا يترك أرضه وأهله إلا إذا ضاقت عليه السبل، مما يفرض على المجتمع الدولي والمنظومة القيمية واجب الإيواء بدلاً من النفي.
ختاماً، تظهر التقارير الدولية حوادث عنف مروعة تشمل القتل والسرقة تستهدف سالكي سبل الهجرة غير النظامية. ورغم هذه المخاطر، لا يتوقف الناس عن سلوك 'طرق الموت'، مما يشير إلى أن الضرورة القاهرة والبحث عن الكرامة أقوى من الخوف من المجهول.
المصدر:
القدس