لم تعد ملاعب كرة القدم وحدها الشاهدة على صعود أسود الأطلس، بل امتد الأثر ليشمل أحياءً بعيدة في البرازيل ونيويورك، حيث بات القميص الأحمر بنجمته الخضراء مشهداً مألوفاً بين أطفال وشباب لا تربطهم بالمغرب صلة دم. هذه الظاهرة التي لفتت الأنظار تعكس تحولاً عميقاً في كيفية تلقي العالم للمنتج الرياضي المغربي، الذي تجاوز حدود المستطيل الأخضر ليصبح رمزاً للهوية والاعتراف والتمثيل الثقافي في فضاء عالمي معقد.
ويرى رشيد جرموني، أستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل أن الاهتمام المتزايد بالمنتخب المغربي يفتح آفاقاً جديدة في الأنثروبولوجيا الرياضية، حيث لم تعد المسألة مجرد تشجيع لفريق فائز بل ارتباطاً بهوية رمزية. لقد نجح المنتخب في بناء سردية جماعية تجمع بين اللاعبين المحليين وأبناء المهجر، مما خلق نموذجاً فريداً يمزج بين الأصالة والعالمية، ويقدم صورة مغايرة عن قدرة دول الجنوب على المنافسة والتميز.
واستناداً إلى نظريات 'الجماعات المتخيلة'، يوضح المحللون أن كرة القدم باتت تصنع أشكالاً جديدة من الانتماء العابر للحدود السياسية التقليدية، حيث يشعر مشجعون من جنسيات مختلفة بالانتماء لقصة النجاح المغربية. هذا الرأسمال الرمزي الذي تراكم منذ مونديال قطر 2022، جعل من المنتخب علامة تجارية عالمية لا تقاس قيمتها بالسوق المالية فقط، بل بقيم المثابرة والانضباط التي أظهرها اللاعبون في مواجهة كبار اللعبة.
وفي تفسير لظاهرة ارتداء البرازيليين لقميص المغرب، يبرز مفهوم 'البطل البديل' في المخيال الجمعي، حيث تميل الجماهير فطرياً لمساندة الفرق التي تتحدى الأنظمة القائمة وتكسر التوقعات التقليدية. المغرب أصبح يمثل بالنسبة للكثيرين رمز المقاومة الرياضية للهيمنة الأوروبية والأمريكية الجنوبية، مستفيداً من تقاطعات ثقافية عميقة مع مجتمعات أمريكا اللاتينية، مثل قدسية الروابط الأسرية والاحتفاء الجماعي في الفضاءات العامة.
ولم يتوقف التأثير المغربي عند الجانب الفني، بل امتد ليشمل ما يوصف بـ 'الرأسمال الأخلاقي'، والذي تجسد في صور احتفال اللاعبين مع أمهاتهم فوق أرضية الملعب أمام عدسات العالم. هذه اللحظات الإنسانية أعادت إحياء القيم العائلية في الساحة الرياضية الدولية، وقدمت سردية إيجابية ومؤثرة عن الثقافة العربية والإسلامية، مما ساهم في تفكيك الصور النمطية السائدة وبناء جسور من التعاطف الإنساني العابر للقارات.
وفي عصر 'مجتمع الشبكات'، لعبت المنصات الرقمية دوراً محورياً في تحويل المغرب إلى قوة ناعمة صاعدة، حيث ساهمت المقاطع المنتشرة والقصص الإنسانية في جعل الانتماء للمغرب مبنياً على السردية والقيم أكثر من الجغرافيا. القميص الرياضي في هذا السياق تحول إلى 'لغة اجتماعية صامتة'، يعبر من خلالها المرتدي عن تماهيه مع قصة كفاح ونجاح تلهم المهمشين وتجبر المراكز التقليدية على الاعتراف بقدراتهم.
إن قصة 'أسود الأطلس' باتت تمثل اليوم نموذجاً لوطن لا يكتفي بتصدير المواهب الرياضية، بل يصدر ثقافة وقيمًا وسردية نصر متكاملة تلهم الشعوب الطامحة للتغيير. هذا التحول من الجغرافيا إلى المعنى جعل من كل مشجع يرفع العلم المغربي في أقصى الأرض مشاركاً في صياغة مفهوم جديد للمواطنة الرياضية العالمية، تقوم على العدالة الرمزية والاحتفاء بالتميز أينما وجد.
المصدر:
القدس