يعد كتاب 'حماس: فصول لم تُكتب' للدكتور عزام التميمي واحداً من أبرز المراجع التي حاولت تفكيك شيفرة حركة المقاومة الإسلامية من الداخل. يسعى المؤلف من خلال هذا العمل إلى تقديم رواية توثيقية تعتمد على المصادر الأولية وشهادات صناع القرار في الحركة، بعيداً عن القراءات الأمنية الغربية السائدة.
ينطلق التميمي في أطروحته من نقد الأدبيات الغربية التي اختزلت حماس في بعدها العسكري فقط، متجاهلة السياقات التاريخية والاجتماعية التي أنتجتها. ويرى أن معظم الدراسات السابقة استقت معلوماتها من مصادر استخباراتية، مما خلق فجوة في فهم المبادئ الحقيقية التي تحرك التنظيم.
يوضح الكتاب أن ميلاد حماس في ديسمبر 1987 لم يكن وليد الصدفة أو مجرد رد فعل آني على الانتفاضة الأولى. بل كان تتويجاً لمسار طويل من العمل الدعوي والتربيتي الذي قاده الإخوان المسلمون في فلسطين على مدار عقود، حيث ركزوا على بناء المؤسسات قبل إعلان المواجهة.
يشير المؤلف إلى الاجتماع التاريخي الذي ضم الشيخ أحمد ياسين وستة من رفاقه، حيث اتخذوا قراراً بتحويل تنظيم الإخوان إلى حركة مقاومة. هذا التحول كان يهدف إلى ممارسة دور نضالي مباشر يستند إلى قاعدة اجتماعية عريضة تم بناؤها عبر المساجد والجمعيات الخيرية.
يبرز الشيخ أحمد ياسين في الكتاب كشخصية محورية لم تكن تهدف للعمل العسكري المجرد، بل كانت تسعى لتنظيم المجتمع الفلسطيني وتقويته. وقد آمن ياسين بأن المقاومة الفاعلة تتطلب إنساناً مؤمناً ومنظماً قادراً على الصمود الطويل أمام إجراءات الاحتلال.
يتطرق التميمي بجرأة إلى ميثاق حماس الصادر عام 1988، معتبراً أنه أصبح عبئاً سياسياً على الحركة في المحافل الدولية. ويرى الباحث أن الممارسة السياسية للحركة أثبتت مرونة أكبر بكثير مما ورد في نصوص الميثاق التي لم تعد تعبر بدقة عن فلسفة الحركة الحالية.
يناقش الكتاب تطور فكرة 'الهدنة' في فكر حماس، مبيناً أنها طُرحت كصيغة لإدارة الصراع دون التنازل عن الثوابت الوطنية. هذه الرؤية تعكس محاولة الحركة الموازنة بين متطلبات الواقع السياسي وبين أيديولوجيتها الرافضة للاعتراف بشرعية الاحتلال.
يتناول العمل أيضاً قضية العمليات الاستشهادية والجدل الذي أثارته على المستويات الفقهية والسياسية والدولية. ويضع المؤلف هذه العمليات في سياقها الزمني كأداة ضغط عسكرية استخدمتها الحركة في مراحل معينة من الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.
يسلط الكتاب الضوء على العلاقة الشائكة بين حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية، واصفاً إياها بأنها تنافس على الشرعية والتمثيل الوطني. هذا التنافس احتدم مع دخول الحركة المعترك السياسي الرسمي ومشاركتها في الانتخابات التي غيرت موازين القوى.
يعتبر فوز حماس في انتخابات عام 2006 نقطة تحول جوهرية نقلت الحركة من مقاعد المعارضة والمقاومة إلى سدة الحكم والمسؤولية. هذا الانتقال فرض على الحركة تحديات غير مسبوقة في كيفية إدارة شؤون الناس تحت الحصار والضغوط الدولية.
تكمن أهمية هذا الكتاب في قدرته على كشف المنطق الداخلي لحركة حماس وكيفية رؤيتها لنفسها وللعالم. فهو لا يكتفي بسرد الأحداث التاريخية، بل يحلل التحولات الفكرية التي طرأت على خطاب الحركة واستراتيجياتها عبر العقود الأربعة الماضية.
يتميز أسلوب عزام التميمي بالجمع بين الرصانة الأكاديمية والسرد المشوق، مما يجعل الكتاب مرجعاً للمتخصصين والقراء العامين على حد سواء. وبالرغم من تعاطف المؤلف مع القضية، إلا أنه يفتح الباب أمام نقاشات جادة حول وثائق الحركة ومواقفها.
عزام التميمي، كباحث فلسطيني مقيم في لندن، استطاع توظيف أدواته الأكاديمية لتقديم الرواية الفلسطينية باللغة الإنجليزية أولاً ثم العربية. وقد ساهمت خلفيته في الفلسفة السياسية في إعطاء الكتاب عمقاً تحليلياً يتجاوز مجرد التأريخ التقليدي للحركات السياسية.
في الختام، يظل كتاب 'فصول لم تُكتب' محاولة جادة لنقل النقاش حول حماس من دائرة الأحكام الجاهزة إلى فضاء الفهم التاريخي. إنه دعوة للقارئ ليتأمل في تعقيدات الحالة الفلسطينية وكيفية تشكل الهوية المقاومة في ظل ظروف احتلال استثنائية.
المصدر:
القدس