آخر الأخبار

عادوا إلى بلدة مشغرة اللبنانية.. فوجدوا ركاما بدلا من بيوتهم

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

البقاع الغربي- على ضفاف بحيرة القرعون، حيث تتعانق مياه الليطاني مع السفوح الخضراء للبقاع الغربي، تقف مشغرة كواحدة من البلدات التي اختبرت قسوة الحرب وثقل الانتظار. بلدة جمعت لعقود بين تنوع لبنان وتناقضاته؛ تتجاور فيها الكنائس والمساجد، وتلتقي عندها طرق البقاع بالجنوب، فيما كانت أسواقها وحقولها تضخ الحياة في المنطقة بأسرها.

اليوم، تبدو بلدة مشغرة مختلفة، فبين الأبنية المتصدعة والواجهات المثقوبة وآثار الركام التي ما زالت تنتشر في أكثر من حي، يحاول السكان استعادة تفاصيل حياتهم اليومية، والعودة إلى أماكن لم تعد تشبه تماما ما تركوه خلفهم يوم النزوح.

مصدر الصورة دمار وحطام في بلدة مشغرة عقب غارات إسرائيلية (الجزيرة)

عندما عادت الحاجة فاطمة حمود إلى البلدة بعد أشهر طويلة من الغياب القسري، لم تكن بحاجة إلى من يدلها على الطريق، كانت تحفظ الأزقة والحارات عن ظهر قلب، وتعرف مواقع الأشجار التي غرستها بيديها أمام منزلها قبل عقود، لكن ما إن وصلت حتى وقفت صامتة لوقت طويل. لم يكن المشهد الذي أمامها يشبه الصورة التي احتفظت بها في ذاكرتها طوال أشهر النزوح.

تبدلت معالم المكان، المنازل التي كانت تعج بالحياة غابت خلف أكوام الركام، وبعضها لم يبق منه سوى جدران مائلة تقاوم السقوط، وبين الحجارة المتناثرة، ما زالت صور عائلية معلقة على أجزاء من الجدران، فيما تتناثر بقايا مقتنيات وثياب تركها أصحابها وراءهم ورحلوا إلى الأبد.

مصدر الصورة وقعت مجزرة إسرائيلية في هذا المكان أسفرت عن سقوط 12 ضحية (الجزيرة)

في هذا الحي تحديدا، وقعت إحدى أكثر المحطات إيلاما في ذاكرة البلدة، سقط عدد من السكان في غارة إسرائيلية خلفت واحدة من أكبر المجازر التي شهدتها مشغرة خلال الحرب، لتتحول الحارة التي كانت تضج بأصوات الجيران إلى مساحة مثقلة بالغياب.

الحياة بعد العودة

حول منزل الحاجة فاطمة تبدو آثار الحرب في كل اتجاه، مبان سُوّيت بالأرض، ومحال تجارية فقدت واجهاتها، وطرقات ما زالت تحمل ندوب الغارات التي مزقت المكان. ورغم عودة بعض الحركة إلى البلدة، فإن الحرب لا تزال حاضرة في التفاصيل الصغيرة؛ في النوافذ المغلقة، وفي البيوت المهجورة، وفي الأسماء التي غابت عن المشهد اليومي.

إعلان

وتستعيد الحاجة فاطمة مشهد العودة بمرارة واضحة، فتقول للجزيرة نت: "كنا نحلم فقط بالعودة، لم نكن نفكر كيف سنعيش بعدها".

مصدر الصورة مشاهد لدمار كبير في قرية مشغرة شرقي لبنان جراء غارات إسرائيلية (الجزيرة)

ولا تتمكن من حبس دموعها وهي تتجول بين أنقاض الحي الذي عادت إليه، تتوقف عند كل زاوية، وكأنها تبحث عن جزء من ذاكرة نجا من الدمار. وتقول إن المشهد كان أقسى بكثير مما رسمته مخيلتها خلال أشهر النزوح، وإن العودة أعادت إليها دفعة واحدة وجوه الأحبة الذين فقدتهم في الحرب.

تستعيد الحاجة فاطمة أسماء الجيران والأقارب الذين رحلوا، واحدا تلو الآخر، كأنها تقرؤهم من سجل الذاكرة، فكل اسم بالنسبة إليها حكاية، وكل وجه جزء من الحياة اليومية التي كانت تجمع أبناء الحي في المناسبات الاجتماعية والدينية والأمسيات العائلية.

وتؤكد أن ما خسره الأهالي لا يُقاس فقط بحجم الدمار الذي أصاب الأبنية، فالحارة فقدت خلال الحرب نحو 12 من أبنائها، في خسارة تصفها بأنها أكبر من أي رقم أو إحصاء، وتضيف أن المنازل يمكن إعادة بنائها مهما بلغت الأضرار، أما الذين رحلوا فلن يعودوا.

مصدر الصورة تعرّضت بلدة مشغرة لسلسلة غارات إسرائيلية قدّرها سكان البلدة بنحو 40 إلى 50 غارة (الجزيرة)

أمام منزلها المتضرر، تشير إلى الجدران المتشققة والغرف المهدمة، ثم تصمت للحظات قبل أن تقول إن ما أصاب البيت يبقى أقل وجعا مما أصاب الناس، فالأحياء التي كانت عامرة بالعائلات تبدلت ملامحها، وبنايات كاملة اختفت من المشهد، فيما وجدت عائلات كثيرة نفسها بلا مأوى وبلا يقين حول المستقبل.

ومع ذلك، لا تزال الحاجة فاطمة تتمسك بالأمل، فبرغم ثقل الفقد والدمار، ترى أن ما يساعد الأهالي على الصمود هو تمسكهم ببعضهم بعضا، وإصرارهم على البقاء في أرضهم، وحفظ ذكرى الذين رحلوا.

في مشغرة اليوم، لا تبدو العودة نهاية للحكاية بقدر ما هي بداية رحلة طويلة لترميم ما هدمته الحرب. وبين الركام والبيوت المتصدعة، يحاول السكان استعادة حياتهم قطعة قطعة، فيما تبقى الذاكرة شاهدة على زمن مضى، وعلى أناس غابوا، وعلى بلدة ما زالت تبحث عن صورتها بين أنقاض الحرب.

مصدر الصورة تضرر ما بين 200 و300 منزل بشكل جزئي (الجزيرة)

عودة مثقلة

في وسط البلدة، يقف حسين سرحان فوق ركام منازل أقاربه ومحال كانت قبل الحرب تضج بالحياة. اليوم، لا شيء سوى حجارة وحديد مبعثر. يمر بين الأنقاض ببطء، كأنه يحاول إعادة تركيب المكان في ذاكرته: الأزقة المزدحمة، المحال المفتوحة، والبيوت المتلاصقة التي كانت تعج بأصوات العائلات.

يقول سرحان للجزيرة نت إن البلدة كانت شبه خالية لحظة الاستهداف، ما حد من حجم الخسائر البشرية رغم كثافة البناء، لكنه يوضح أن طبيعة البيوت المتلاصقة ساهمت في توسيع نطاق الدمار، بحيث لم يبقَ حي واحد بمنأى عن الأثر.

وعند عودة الأهالي، كان الصمت أول ما استقبلهم. كثيرون وجدوا أنفسهم أمام بيوت غير صالحة للسكن، وأرزاق تبعثرت بين ليلة وضحاها. بعضهم لجأ إلى أقاربه، وآخرون لجأوا إلى بيوت فتحها أبناء البلدة المقيمون خارجها، في محاولة لاحتواء الصدمة.

ورغم حجم الخراب، يبرز شكل آخر من الحياة داخل الركام، إذ يتحدث سرحان عن مبادرات تضامن سريعة، فتح فيها أبناء البلدة والمغتربون منازلهم غير المأهولة لاستقبال العائلات المتضررة، كمساحة مؤقتة لالتقاط الأنفاس.

إعلان

وفي المحصلة، تبدو مشغرة كما يصفها أبناؤها: بلدة مثقلة بالدمار، لكنها لم تُفرغ من أهلها. سكانها ما زالوا هناك، بين الركام والذاكرة، يحاولون استعادة ملامح حياة لم تُمحَ بالكامل، لكنها لم تعد كما كانت أيضا.

حصيلة الدمار

تعرّضت بلدة مشغرة لسلسلة غارات إسرائيلية قدّرها سكان البلدة بنحو 40 إلى 50 غارة، أسفرت عن أضرار مادية واسعة طالت منازل ومباني سكنية، وشملت الخسائر تدمير نحو 60 منزلا بشكل كلي، وتضرر ما بين 200 و300 منزل بشكل جزئي، إضافة إلى أضرار لحقت بالبنية التحتية.

كما سجلت إصابات بين شهداء وجرحى في صفوف المدنيين، ما زاد من حجم الخسائر الإنسانية. ولا تزال آثار الدمار واضحة في أحياء البلدة وطرقاتها، حيث يواصل السكان ملامسة حجم ما خلّفته الغارات من تغير جذري في المشهد العمراني والحياتي للبلدة.

دمار واسع في مشغرة بعد غارات إسرائيلية (الجزيرة)

دمار واسع في مشغرة بعد غارات إسرائيلية (الجزيرة)

تبدو مشغرة اليوم بملامح مختلفة بفعل الدمار الذي خلّفته الحرب في أحيائها (الجزيرة)

تعرّضت بلدة مشغرة لسلسلة غارات إسرائيلية قدّرها سكان البلدة بنحو 40 إلى 50 غارة (الجزيرة)
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا