آخر الأخبار

مبادرة معيار اليد الواحدة لإعادة الثقة لقطاع البناء الفلسطين

شارك



رام الله- خاص بـ"القدس"- في سوقٍ يعجّ بالمواد الإنشائية وتتشابه فيه المنتجات إلى حدّ التداخل، يصبح السؤال الذي يطرحه كثير من المهندسين والمستهلكين معاً أكثر إلحاحاً: كيف يمكن الوثوق بما يُبنى به البيت أو المشروع، إذا كانت المادة نفسها تأتي من عشرات القنوات، بأسماء متشابهة، وجودات متباينة، ومرجعيات غير واضحة؟

هذا السؤال لم يبقَ في إطار النقاش النظري بالنسبة للمهندس الفلسطيني الشاب شادي شري من قلقيلية ويسكن مدينة رام الله، فقد اختار أن يحوّل خبرته الأكاديمية والمهنية إلى مشروع فكري وتطبيقي يحاول إعادة ضبط العلاقة بين المنتج والسوق، وبين المورد والمستهلك، عبر ما أسماه مبادرة "معيار اليد الواحدة".


بين المعرفة والفهم الإداري للأسواق

المهندس شادي شري، الذي يعمل في قطاع البناء والإنشاءات، لم يكتفِ بالمسار الهندسي التقليدي، فقد راكم منذ تخرجه في الهندسة الميكانيكية من جامعة النجاح الوطنية عام 2009، ثم حصوله على ماجستير إدارة الأعمال من جامعة بيرزيت عام 2022، مساراً يجمع بين المعرفة التقنية والفهم الإداري للأسواق، وهو اليوم يواصل دراساته العليا في الدكتوراه في الإدارة الاستراتيجية في جامعة إشبيلية الإسبانية، في محاولة لربط التفكير الهندسي بمنطق إدارة الأنظمة والأسواق.


مراكمة الخبرات

على مدى أكثر من عقد ونصف، عمل شري في تصميم الأنظمة الميكانيكية للمباني، وإدارة تنفيذها والإشراف عليها، ضمن مشاريع وُصفت بالحساسة والكبيرة في فلسطين، لكن ما ميّز حضوره لم يكن فقط في مواقع العمل، بل أيضاً في قاعات التدريب والمنصات التعليمية، حيث أصبح اسماً معروفاً في مجال التدريب الهندسي في فلسطين والعالم العربي.

فقد قدّم دورات متقدمة في التصميم الهندسي وأنظمة ميكانيكا المباني لمئات المهندسين والطلبة، من خلال نقابة المهندسين، وعدد من الجامعات الفلسطينية، ومراكز مهنية متخصصة.

ومع الوقت، تحوّل حضور شادي بحسب ما يؤكده في حديث مع "ے"، إلى ما يشبه "المرجع التوعوي" في قطاع البناء، خصوصاً مع ازدياد متابعته على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يقدّم محتوى هندسياً مبسطاً يشرح الأخطاء الشائعة في البناء، وينتقد الممارسات غير الصحيحة، ويوجه نحو الاستخدام السليم للمواد من حيث الاختيار والتطبيق والتنفيذ.


هاجس السوق غير المنضبط

لكن خلف هذا الحضور الرقمي، كان هناك هاجس يتكرّر في حديثه: السوق غير المنضبط، وتعدد مصادر المنتج الواحد، وغياب المرجعية الواضحة التي يمكن للمستهلك أو المهندس أن يعود إليها عند الشك أو الخلاف.

يقول شري، في جوهر الفكرة التي طورها لاحقاً، "إن المشكلة في الأسواق الصغيرة أو غير المنظمة لا تكمن في نقص المواد، بل في كثرة ما يشبهها دون القدرة على التمييز بينها".

ويؤكد شري أن المنتج الواحد قد يُعرض عبر أكثر من مستورد أو موزع، لكن دون معيار واضح يضمن ثبات الجودة أو وحدة المواصفة. وهنا تبدأ الإشكالية.


ميلاد مبادرة "معيار اليد الواحدة"

من هذا الواقع، ولدت مبادرة وفكرة "معيار اليد الواحدة" في أوائل عام 2026، ليس كفكرة نظرية، بل كاستجابة مباشرة لخلل يراه يومياً في السوق، وهو خلل لا يتعلق فقط بالأسعار أو المنافسة، بل بمسألة الثقة نفسها.

ويقول شري: "الفكرة تقوم على مبدأ بسيط في شكله، لكنه عميق في أثره: أن يكون لكل منتج جهة واحدة واضحة ومعتمدة للتوريد أو التوزيع، بحيث يمكن تتبّع مصدره بدقة، ومساءلة الجهة المسؤولة عنه، وضمان التزامه بالمواصفات الفنية المتفق عليها".

بهذا المعنى، وفق شري، يتحول المنتج من سلعة مجهولة المسار إلى عنصر يمكن تتبعه والتحقق منه في كل مرحلة من مراحل وصوله إلى السوق.


في الأسواق التقليدية

في الأسواق التقليدية، يشرح شري، يُفترض أن تعدد الموردين يعزز المنافسة ويخفض الأسعار، لكن في الواقع العملي، خاصة في بيئات غير منظمة، يتحول هذا التعدد إلى مصدر تشويش، فبدلاً من منافسة بين منتجات مختلفة، يصبح هناك تنافس بين نسخ متعددة من المنتج نفسه، بعضها أصلي، وبعضها مقلد، وبعضها الآخر لا يخضع لأي رقابة حقيقية.

النتيجة، بحسب هذا الطرح، الذي يقدمه شري، ليست فقط اضطراباً في الأسعار، بل فقداناً تدريجياً للثقة، فالمستهلك لا يعود قادراً على التمييز، والتاجر الجاد يجد نفسه في سوق تختلط فيه السمعة بالمصادفة، والجودة بالادعاء.

من هنا، لا يقدم "معيار اليد الواحدة" نفسه كدعوة للاحتكار، بل كمحاولة لإعادة تعريف المنافسة، فالمنافسة الحقيقية، كما يراها شري، يجب أن تكون بين منتجات مختلفة بمرجعيات واضحة، لا بين نسخ متشابهة بلا أصل واضح، والوضوح هنا هو أساس السوق الصحي، وليس تقليص عدد اللاعبين فيه.


المبادرة في السياق الفلسطيني


في السياق الفلسطيني تحديداً، تتعقد الصورة أكثر، فالسوق يواجه تحديات متعددة، من ضعف الرقابة أحياناً، إلى تعقيدات الاستيراد، إلى تفاوت المعايير بين منتج وآخر، وهذا ما يجعل الحاجة إلى إطار تنظيمي أو مفاهيمي جديد أكثر إلحاحاً، خاصة في قطاع حيوي مثل البناء، حيث الخطأ في المادة لا ينعكس فقط على السوق، بل على سلامة الإنسان والبنية التحتي، يؤكد شري.

الفكرة، كما يوضح شري، يمكن أن تساهم في إعادة بناء عدد من المفاهيم الأساسية في السوق: حماية المستهلك من المنتجات غير الموثوقة، تعزيز ثقة السوق بالعلامات التجارية، تمكين الموردين الجادين من حماية استثماراتهم، ورفع مستوى الشفافية في سلاسل التوريد التي غالباً ما تكون غير مرئية للمستهلك النهائي.

ووفق شري، فإن الأثر الأعمق، ربما، هو نفسي واقتصادي في آن واحد، فحين يعرف المستهلك أن المنتج الذي يستخدمه مرتبط بجهة واحدة واضحة، يصبح القرار الشرائي أكثر استقراراً، ويصبح التاجر أكثر التزاماً، ويصبح السوق أقل عرضة للفوضى.

في المقابل، يمنح هذا النموذج بحسب شري، التاجر الملتزم ميزة تنافسية حقيقية، لأنه يربط اسمه مباشرة بجودة المنتج الذي يقدمه، ويمنع التلاعب بالهوية التجارية أو استغلال السمعة عبر قنوات غير رسمية، وهنا تتحول السمعة من عنصر هش إلى أصل اقتصادي قابل للحماية.

إعادة صياغة المفاهيم

ورغم أن "معيار اليد الواحدة" لا يزال في طور التبلور كفكرة قابلة للتطبيق، إلا أنه يطرح سؤالاً أوسع من نطاقه المباشر: هل يكفي تنظيم القوانين لضبط الأسواق، أم أن المطلوب هو إعادة صياغة المفاهيم التي تحكم العلاقة بين المنتج والمستهلك؟

ويؤكد شري أن هذا الطرح لا يقدم نفسه كحل نهائي، بل كمدخل لنقاش أوسع حول كيفية بناء سوق أكثر وضوحاً، وأكثر أماناً، وأكثر قدرة على حماية المستهلك. سوق لا تقوم فيه الثقة على الاسم وحده، بل على نظام يمكن تتبعه ومراجعته ومساءلته.

بين الهندسة، والإدارة، والتدريب، والمحتوى التوعوي، يتحرك هذا المشروع الفكري في مساحة تجمع بين المعرفة التقنية والهمّ العام، وفي قلبه فكرة بسيطة لكنها جوهرية: أن المادة، في البناء كما في السوق، يجب أن توضع دائماً في مكانها الصحيح، وبالمواصفة الصحيحة، وبالطريقة الصحيحة، يؤكد المهندس الفلسطيني شادي شري.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا