في مشهد يجسد الإرادة الفلسطينية المنبعثة من قلب الركام، يتداول ناشطون مقاطع فيديو للطفل محمد سعيد أحمد شعبان، البالغ من العمر تسع سنوات، وهو يداعب كرة القدم ببراعة لافتة. ورغم أن محمد يعيش بلا قدمين وبيد واحدة منذ أن كان رضيعاً، إلا أن حركته الرشيقة وتحكمه العالي بالكرة أذهل المتابعين والنازحين في مخيم جباليا شمال قطاع غزة.
تجري هذه المباريات العفوية في أزقة ضيقة بين خيام النازحين المتهالكة، حيث تحولت هذه المساحات المحدودة إلى ملعب بديل للطفل الذي فقد كل مقومات الحياة الطبيعية. ويتحرك محمد بسرعة مدهشة بين الرمال والحجارة، محاولاً التغلب على بؤس اللجوء اليومي من خلال ممارسة رياضته المفضلة التي باتت وسيلته الوحيدة للتعبير عن ذاته.
لم تكن رحلة محمد سهلة، فقد وُلد بتحديات جسدية كبيرة بدأت ببتر أطرافه وهو في عمر الأربعين يوماً فقط، لكن الحرب الحالية ضاعفت من معاناته بشكل غير مسبوق. فقد دمرت الغارات الإسرائيلية منزل عائلته في بلدة جباليا، مما أدى إلى فقدانه لكرسيه المتحرك الكهربائي الذي كان يمثل 'قدماه' اللتان يتنقل بهما، ليصبح الآن معتمداً كلياً على زحفه وقوته البدنية المحدودة.
وتشير عائلة الطفل بمرارة إلى أن محمد لم يتمكن من الجلوس على مقاعد الدراسة بانتظام منذ نحو ثلاث سنوات، نتيجة الاستهداف المباشر للمؤسسات التعليمية وتدمير البنية التحتية في القطاع. ويقف غياب الكرسي الكهربائي عائقاً أساسياً أمام وصوله إلى النقاط التعليمية المؤقتة التي استُحدثت مؤخراً، مما يهدد مستقبله المعرفي بجانب معاناته الجسدية.
على الصعيد الأسري، يعيش محمد ضمن عائلة تعاني من فقر مدقع وظروف صحية صعبة، حيث أصيب والده ومعيل الأسرة الوحيد برصاصة استقرت بالقرب من قلبه خلال العمليات العسكرية. هذه الإصابة جعلت الأب عاجزاً عن القيام بأي مجهود بدني أو توفير مصدر دخل ثابت، مما جعل الأسرة تعيش في حالة من العوز الدائم والاعتماد الكلي على المعونات.
وتعتمد أسرة محمد، وهو الابن الرابع في ترتيب إخوته، على الوجبات التي تقدمها 'التكايا' والمراكز الإغاثية في مخيمات الإيواء لسد رمقهم اليومي. ورغم هذا الواقع المعيشي المتردي، يصر الطفل على الحفاظ على ابتسامته وكرته التي يراها أغلى ما يملك بعد أن ضاعت ألعابه وذكرياته تحت أنقاض منزله المدمر.
تمثل قصة محمد شعبان نموذجاً لمئات الأطفال في قطاع غزة الذين يواجهون إعاقات مركبة في ظل غياب الرعاية الطبية المتخصصة والأدوات المساعدة. ومع استمرار الحصار والدمار، تبقى كرة القدم هي النافذة الوحيدة التي يطل منها هذا الطفل على عالم من الأمل، بعيداً عن ضجيج الطائرات وقسوة النزوح التي تلاحقه في كل زاوية من زوايا المخيم.
المصدر:
القدس