كشف جيش الاحتلال الإسرائيلي عن خريطة محدثة لما يطلق عليها 'المنطقة الأمنية' في الأراضي اللبنانية، موضحاً أن قواته تعتزم التمركز والانتشار بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات داخل الحدود. وتأتي هذه الخطوة في ظل مساعي الاحتلال لفرض واقع ميداني جديد يهدف إلى إزالة ما وصفها بالتهديدات العسكرية وتأمين المستوطنات الشمالية، متجاهلاً بنود مذكرة التفاهم الموقعة مؤخراً بين واشنطن وطهران والتي تدعو لوقف العمليات القتالية.
وأفادت مصادر ميدانية بأن الخريطة الجديدة أظهرت ضم بلدات ومساحات جغرافية لم تكن تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة قبل أسبوعين، ومن أبرزها بلدة مجدل زون في القطاع الغربي. وكانت قوات الاحتلال قد نفذت عمليات توغل في هذه البلدة قبيل تعثر اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة، حيث اتخذتها منطلقاً للتحرك نحو مناطق شمال بلدة البياضة المحتلة لتعزيز نفوذها في تلك الجبهة.
وفي القطاع الشرقي، وسع الاحتلال نطاق سيطرته ليشمل بلدة كفرتبنيت ومرتفع علي الطاهر الاستراتيجي، وهي مناطق كانت هدفاً لعمليات عسكرية مكثفة خلال الأيام الماضية. ويشير هذا التوسع إلى رغبة إسرائيلية في السيطرة على التلال الحاكمة والممرات الحيوية التي تشرف على مساحات واسعة من الجنوب اللبناني، مما يعقد جهود العودة إلى خطوط ما قبل التصعيد الأخير.
وامتدت رقعة المناطق التي شملتها الخريطة الإسرائيلية لتصل إلى مناطق شمال نهر الليطاني، بالإضافة إلى توسع ملحوظ في القطاع الأوسط يمتد من مدينة بنت جبيل وصولاً إلى تخوم بلدة تبنين. وقد شهدت هذه المناطق غارات جوية عنيفة استهدفت بلدات حداثا وحاريص وبيت ياحون، في محاولة لفرض حزام أمني يمنع أي تواجد عسكري أو مدني يهدد أمن الحدود الشمالية للاحتلال.
على الصعيد السياسي، كشفت تقارير إعلامية عن ضغوط أمريكية متزايدة تمارس على تل أبيب لإجبارها على الانسحاب من المناطق التي توغلت فيها بجنوب لبنان. وتصف مصادر مطلعة المفاوضات الجارية بين الجانبين بأنها 'عنيدة وشاقة'، حيث يحاول الاحتلال انتزاع ضمانات أمنية طويلة الأمد مقابل أي خطوة للانسحاب أو إعادة التموضع بعيداً عن القرى الحدودية اللبنانية.
ونقلت مصادر إعلامية عن القناة 12 الإسرائيلية أن المؤسسة العسكرية ترفض بشكل قاطع مبدأ 'ربط الساحات' الذي قد تتضمنه مذكرات التفاهم الدولية، وتسعى بدلاً من ذلك إلى إبرام توافقات ثنائية سريعة مع الجانب اللبناني. وفي سياق متصل، ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن ملف الانسحاب سيكون محور محادثات مرتقبة في واشنطن الأسبوع المقبل، حيث سيتم التباحث في التفاصيل التقنية والجدول الزمني المقترح.
ميدانياً، لم يتوقف التصعيد العسكري رغم الحراك الدبلوماسي، حيث استهدفت طائرة مسيرة إسرائيلية سيارة مدنية عند دوار كفرتبنيت في منطقة النبطية، مما أسفر عن ارتقاء شهيد وإصابة آخر. كما تعرضت البلدة ذاتها لقصف مدفعي متجدد ألحق أضراراً مادية جسيمة، في حين أصيب شخصان بجروح إثر إلقاء مسيرة قنبلة على بلدة ياحون في استمرار لسياسة الاستهداف المباشر للتحركات الميدانية.
وفي المقابل، بدأت ملامح عودة تدريجية للحياة في بعض القرى، حيث شرع أهالي بلدة حداثا في قضاء بنت جبيل بالعودة إلى منازلهم بالتنسيق مع وحدات من الجيش اللبناني وفرق الإسعاف. وتأتي هذه العودة بعد فترة قاسية من النزوح القسري جراء الغارات المكثفة والعمليات العسكرية التي حولت أجزاء واسعة من البلدة إلى مناطق غير قابلة للسكن خلال الأسابيع الماضية.
وتعمل وحدات الجيش اللبناني بالتعاون مع جمعية الرسالة والهيئة الصحية على فتح الطرقات المغلقة وإزالة الركام والعوائق التي خلفها القصف الإسرائيلي المستمر. كما بدأت الفرق المختصة عمليات انتشال جثامين الشهداء من محيط البلدات المتضررة، في ظل ظروف أمنية معقدة نتيجة استمرار التحليق المكثف للطيران المسير التابع للاحتلال فوق أجواء الجنوب.
المصدر:
القدس