تشير القراءات السياسية الأخيرة إلى أن منطقة الشرق الأوسط تقف على أعتاب مرحلة انتقالية كبرى، تتجاوز في أبعادها مجرد التهدئة العسكرية المؤقتة. وأفادت مصادر بأن الصراع القائم بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي قد أفرز واقعاً جديداً سيغير موازين القوى لعقود قادمة، خاصة في ظل استمرار الأسباب الجذرية للنزاع.
ويرى مراقبون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يجد في الفراغ الاستراتيجي الحالي فرصة للهروب من أزماته السياسية الداخلية. هذا الدافع الشخصي والسياسي قد يدفع نحو محاولات مستمرة لتقويض أي تهدئة، مما يجعل احتمالات عودة التصعيد قائمة بقوة في ظل غياب تسوية شاملة تنهي مسببات التوتر.
على صعيد الجبهة الداخلية الإيرانية، يتوقع المحللون أن تشهد طهران حالة من التماسك الوطني غير المسبوق عقب صد الحملة العسكرية المشتركة. هذا التماسك سيعززه تعافٍ اقتصادي مرتقب وشعور بالفخر القومي، مما قد يؤدي إلى عقد اجتماعي جديد يذيب الفوارق بين التيارات المحافظة والإصلاحية تحت مظلة الشرعية المكتسبة.
أما في منطقة الخليج، فإن بروز إيران كلاعب إقليمي مهيمن سيفرض إعادة صياغة شاملة لبنية الأمن الإقليمي. وتتجه التوقعات نحو اضطرار دول الجوار للتفاهم المباشر مع طهران لحماية بنيتها التحتية الحيوية، خاصة بعد تراجع الثقة في قدرة واشنطن على توفير مظلة حماية فعالة لمصالح حلفائها في المنطقة.
ويطرح هذا التحول تساؤلات جوهرية حول مستقبل القواعد العسكرية الأمريكية والأصول الاستخباراتية الإسرائيلية في المنطقة. فمن غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت طهران ستقبل بمبدأ التعايش الإقليمي مع دول لا تزال تستضيف حضوراً عسكرياً وأمنياً للقوى التي تعتبرها معادية لمصالحها القومية.
وفيما يخص مسار التطبيع، يبرز احتمال انهيار 'اتفاقيات أبراهام' كخيار واقعي في ظل النتائج التي أفرزتها المواجهة الأخيرة. فقد أثبتت الحرب أن التحالف مع إسرائيل لم يشكل رادعاً، بل تحول إلى عبء استراتيجي جعل الدول الموقعة أهدافاً محتملة للردود الانتقامية، مما قد يدفعها لمراجعة علاقاتها الرسمية.
وتواجه واشنطن اليوم تحدياً كبيراً في تسويق سردية جديدة لدفع عجلة التطبيع مستقبلاً، بعد أن فقدت الوعود الأمنية بريقها. إن التوجه العربي نحو خفض مستوى العلاقات مع تل أبيب قد يصبح السمة الغالبة في المرحلة المقبلة، كإجراء وقائي لتجنب الانخراط في صراعات إقليمية لا تخدم المصالح الوطنية لهذه الدول.
لبنان بدوره لن يكون بعيداً عن هذه التحولات، حيث من المتوقع أن يشهد تغيراً جذرياً في موازين القوى السياسية إذا ما أُجبر الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب. الاعتراف بإيران كقوة استراتيجية مؤثرة في الساحة اللبنانية سيصبح أمراً واقعاً، مما سيفرض على القوى المحلية والإقليمية التعامل مع هذا المعطى الجديد.
وتشير التقديرات إلى أن الدول العربية القريبة من الحكومة اللبنانية قد تسارع لتقديم تنازلات سياسية لضمان استقرار حلفائها، دون اشتراط نزع سلاح المقاومة. هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن القوة العسكرية لحزب الله باتت جزءاً أصيلاً من معادلة الردع الإقليمية التي لا يمكن تجاوزها بسهولة.
وعلى الجانب الفلسطيني، تتجه فصائل المقاومة نحو تعزيز تحالفها مع طهران بشكل أكثر عمقاً وديمومة. هذا التوجه يأتي كنتيجة مباشرة لشعور الفلسطينيين بالخذلان من المجتمع الدولي والقوى الإقليمية الكبرى التي لم تنجح في وقف حرب الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة.
إن هذا التقارب قد يعني تحولاً في قواعد الاشتباك، حيث قد تبدأ إيران بالتعامل مع ملف غزة بذات الطريقة التي تدير بها جبهة جنوب لبنان. وهذا يتضمن إمكانية الرد المباشر على أي اعتداءات إسرائيلية مستقبلية، مما يربط مصير القطاع بشكل عضوي بمحور المقاومة الإقليمي.
هذا السيناريو يضع حركة حماس أمام استحقاقات سياسية معقدة فيما يتعلق بعلاقاتها مع حلفائها التقليديين في المنطقة. فالتماهي الكامل مع المحور الإيراني قد يؤثر على قدرة دول مثل قطر على الاستمرار في لعب دور الوسيط أو استضافة قيادات الحركة، خاصة تحت الضغوط الأمريكية المتزايدة.
من جهة أخرى، تسعى إسرائيل جاهدة لفصل القضية الفلسطينية عن صراعاتها الإقليمية مع إيران ولبنان، في محاولة للاستفراد بالساحة الفلسطينية. إلا أن الواقع الميداني والتحالفات الناشئة تشير إلى فشل هذه الاستراتيجية، مع تداخل الجبهات وتحولها إلى وحدة واحدة في مواجهة السياسات الإسرائيلية.
في الختام، تظل التساؤلات قائمة حول مدى التزام إسرائيل بأي اتفاقيات لوقف إطلاق النار أو انسحاب عسكري. فالتاريخ القريب يشير إلى أن عدم احترام التعهدات قد يؤدي فوراً إلى تجدد المواجهة الشاملة، مما يجعل المنطقة في حالة تأهب دائم بانتظار ما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية والعسكرية القادمة.
المصدر:
القدس