يواجه الإرث الثقافي والتاريخي في قطاع غزة تحديات وجودية غير مسبوقة، بعد ثلاث سنوات من العمليات العسكرية التي أدت إلى تحويل معالم حضارية إلى كومة من الركام. وأفادت مصادر ميدانية بأن المقتنيات الأثرية التي تعود لآلاف السنين باتت إما مفقودة أو تالفة نتيجة القصف المباشر، مما يهدد بضياع ذاكرة بصرية وتاريخية لا يمكن تعويضها للأجيال القادمة.
ويعد متحف 'القرارة' أحد أبرز الشواهد على هذه المأساة، حيث تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 3500 قطعة أثرية نادرة لا تزال مدفونة تحت أنقاض المبنى المدمر. ولم تقتصر الأضرار على المتاحف الخاصة، بل امتدت لتطال 'قصر الباشا' التاريخي الذي يعود للعصر المملوكي، والذي فقد نحو 70% من محتوياته التي كانت تشكل جوهر المتحف الوطني منذ افتتاحه الرسمي في عام 2010.
من جانبه، أوضح مدير دائرة المواقع والتنقيب بوزارة السياحة والآثار، الدكتور حمودة الدهدار أن الاحتلال تعمد استهداف التراث الثقافي المادي وغير المادي بشكل منهجي منذ الأيام الأولى للحرب. وأشار الدهدار إلى أن القصف طال أحياءً تاريخية عريقة مثل الشجاعية والتفاح، بالإضافة إلى متاحف نوعية كمتحف العقاد، مما تسبب في ضياع لقى أثرية لا تقدر بثمن تنتمي للعصرين البيزنطي والروماني.
وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن متحف قصر الباشا كان يمثل وجهة سياحية وتعليمية رئيسية، حيث كان يستقبل ما يقارب 70 ألف زائر سنوياً قبل اندلاع المواجهات. ويرى خبراء في الآثار أن سرعة استهداف هذه المواقع بعد أيام قليلة من بدء الحرب تعكس رغبة واضحة في طمس الهوية الفلسطينية، ومحو الأدلة المادية التي تثبت التجذر التاريخي للشعب الفلسطيني في أرضه.
ورغم الظروف القاسية وعمليات النزوح القسري التي طالت الكوادر المتخصصة، إلا أن هناك مبادرات أكاديمية فلسطينية بدأت بالتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تحت الأنقاض. وتعمل هذه الفرق في ظروف أمنية معقدة لتوثيق الأضرار وأرشفة القطع المتبقية، معتبرين أن هذه المهمة تتجاوز العمل المهني لتصبح معركة وطنية لحماية الوجود الفلسطيني من محاولات الإلغاء الثقافي.
وفي ختام هذه الجهود، يؤكد القائمون على عمليات الترميم أن إعادة بناء المتاحف المدمرة هي عهد قطعوه على أنفسهم رغم هول الدمار الذي لحق بالبلدة القديمة. وتظل عمليات الأرشفة الرقمية والتوثيق الميداني بمثابة خط الدفاع الأخير الذي يثبت أن الهوية الفلسطينية، الضاربة جذورها في أعماق التاريخ، أقوى من أن تندثر تحت وطأة القصف أو تُمحى من الذاكرة الإنسانية.
المصدر:
القدس