آخر الأخبار

غزة وكأس العالم: كيف حرمت الحرب الفلسطينيين من المونديال؟

شارك

على خلاف مشجعي كرة القدم في كافة أنحاء العالم، يجد سكان قطاع غزة أنفسهم محرومين من متابعة النسخة الحالية من بطولة كأس العالم. لقد فرضت حرب الإبادة المستمرة ظروفاً حياتية معقدة، جعلت من مجرد مشاهدة مباراة كرة قدم ترفاً بعيد المنال في ظل انعدام المقومات الأساسية للحياة.

تعد أزمة التيار الكهربائي العائق الأبرز أمام عشاق الساحرة المستديرة في القطاع، حيث تمنع سلطات الاحتلال وصول الوقود اللازم لتشغيل محطة التوليد الوحيدة. وتعتمد العائلات حالياً على شبكات تجارية خاصة توفر الكهرباء بأسعار باهظة، وغالباً ما تنقطع هذه الخدمة مع حلول الظلام، مما يحرم الأغلبية من متابعة المباريات المسائية.

المواطن محمد أبو عويضة، الذي لم يغيب عن متابعة المونديال منذ عام 1986، يجد نفسه اليوم عاجزاً عن مشاهدة فرقه المفضلة. يقول محمد إن هموم تأمين المياه الصالحة للشرب وطهي الطعام بوسائل بدائية تستنزف طاقته اليومية، مما يضطره للنوم مبكراً هرباً من التعب، وتجنباً لتكاليف المقاهي المرتفعة.

ورغم هذه المعاناة، لا تزال أخبار المنتخبات العربية تثير بصيصاً من الفرح في قلوب الغزيين، حيث استقبل السكان نتائج قطر والمغرب بابتهاج محدود. ويتمنى المشجعون أن تحقق الفرق العربية مفاجآت كروية كبرى، معتبرين أن أي انتصار عربي يمثل دعماً معنوياً لهم في ظل العزلة التي يفرضها الحصار والحرب.

لقد أعادت الحرب صياغة معايير التشجيع لدى الجمهور الفلسطيني، حيث لم تعد المهارة الفنية هي المقياس الوحيد للحب. ويؤكد مشجعون أن مواقف الدول وحكوماتها من القضية الفلسطينية باتت المحرك الأساسي لولائهم الكروي، فالدول التي تساند الحق الفلسطيني تحظى بتشجيعهم، بينما يعزفون عن تشجيع الفرق التي تدعم سياسات الاحتلال.

حسن صالح، أحد عشاق النجم ليونيل ميسي، قرر التوقف عن تشجيع المنتخب الأرجنتيني بسبب المواقف السياسية الأخيرة لرئيس بلادهم. ويرى حسن أن الوفاء يجب أن يكون لمن يقف مع الشعب الفلسطيني في محنته، مؤكداً أن الحرب علمتهم أن الرياضة لا يمكن فصلها عن المواقف الإنسانية والسياسية.

وفي ظل غياب البث التلفزيوني، يلجأ البعض لمتابعة ملخصات المباريات عبر منصات التواصل الاجتماعي في اليوم التالي، لكن رداءة شبكة الإنترنت تحول دون ذلك في كثير من الأحيان. لقد تعمدت قوات الاحتلال تدمير البنية التحتية للاتصالات، مما جعل الحصول على إشارة إنترنت مستقرة مهمة شبه مستحيلة للنازحين في المخيمات.

الحرب علّمتنا كثيراً؛ صرنا نشجع من يساندنا فقط، فالمواقف السياسية للدول تجاه قضيتنا باتت تسبق مهارة اللاعبين في قلوبنا.

النازح خالد النجار، المقيم في خيام خان يونس، حاول مراراً مشاهدة مباراة المغرب والبرازيل عبر هاتفه النقال دون جدوى. وبسبب تقطع الصورة المستمر، اضطر خالد للخلود للنوم وانتظار سماع النتيجة من جيرانه في الصباح، مكتفياً بمشاهدة الأهداف المسجلة في وقت لاحق عند توفر الإشارة.

في المقابل، يحاول جيل الشباب خلق مساحات خاصة للمشاهدة عبر مقاهٍ شعبية بسيطة شُيدت من أقمشة الخيام وقطع البلاستيك. وتتجمع حشود من الشبان حول شاشات كبيرة تعمل بمولدات كهربائية، حيث تنفجر هذه الخيام بالهتاف والتصفيق مع كل هدف يسجله منتخب عربي، في محاولة لاختطاف لحظات من المتعة وسط الركام.

الشاب حسام، الذي أصيب برصاص الاحتلال ويعاني من كسور بليغة، كان من بين الحاضرين في إحدى خيام المشاهدة بمخيم النصيرات. يخشى حسام أن تحرمه إصابته من العودة لممارسة هوايته المفضلة، خاصة في ظل نقص العلاج اللازم وتضرر القطاع الرياضي بشكل كامل نتيجة الغارات المستمرة.

الواقع الرياضي في غزة يئن تحت وطأة الاستهداف المباشر، حيث فقد العشرات من لاعبي الأندية أطرافهم، واستشهد المئات من الرياضيين والمدربين. ولم تسلم الملاعب والمنشآت الرياضية من القصف، مما حول الميادين التي كانت تضج بالحياة إلى ركام أو مراكز لإيواء آلاف النازحين المشردين.

أصحاب المقاهي المؤقتة يواجهون تحديات هائلة لتوفير خدمة المشاهدة، حيث يضطرون لشراء الوقود بأسعار خيالية لتشغيل المولدات. ويشير أصحاب هذه المشاريع الصغيرة إلى أن الإقبال أقل من المتوقع، لأن الناس يفضلون إنفاق أموالهم القليلة على الطعام والماء بدلاً من دفع رسوم مشاهدة المباريات.

عند انتهاء المباريات في ساعات الفجر الأولى، يشق المشجعون طريقهم للعودة إلى خيامهم عبر طرق وعرة دمرتها الصواريخ الإسرائيلية. يسيرون وسط صمت الليل الذي لا يقطعه إلا أزيز الطائرات المسيرة، ليستعدوا ليوم جديد من الكفاح لتأمين أدنى متطلبات البقاء على قيد الحياة.

إن مشهد المونديال في غزة يلخص مأساة شعب يحب الحياة ويتمسك بالأمل رغم محاولات الإبادة الممنهجة. فبينما يحتفل العالم بالأهداف والانتصارات، يظل الفلسطيني في غزة يبحث عن انتصاره الخاص في البقاء صامداً على أرضه، محولاً خيمة النزوح إلى ساحة لتشجيع الحرية والعدالة.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا اسرائيل حزب الله أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا