الحلقة الأولى
لاجئون من القرى المحتلة في منطقة اللطرون، طردهم الجيش الإسرائيلي، وقام الصندوق القومي اليهودي بتغطية الأنقاض بأشجار من حديقة كندا. صورة: بانيا بن نون
التقرير التالي بقلم آدم راز، الباحث في معهد عكبوت (الأعقاب) لدراسة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ونشرته صحيفة هآرتس يوم 4 حزيران 2026 وهو يصلح لأن يكون وثيقة "شاهد من أهله" تروي بعضا من تفاصيل جرائم الحرب والقتل والتدمير التي ارتكبتها إسرائيل في عدوان حزيران 1967. صحيح أن التقرير طويل لكن المعلومات التي يحتويها مهمة جدا لأنها تغطي حقبة ربما سمعت الغالبية الكثير عنها لكنها لم تقرأ عنها ما يكفي!!
المترجم
"سألت الضابط: وإذا سمعت بكاء أطفال، فهل أطلق النار أيضاً؟ فكان جوابه: لا تكن فتاة (جباناً)"
قال أحد الجنود: "في البداية لم أوافق على إعدام العرب الذين لم يقاوموا. ثم توصلنا إلى استنتاج مفاده أنه كان علينا قتلهم. لقد مررنا بعملية التوقف عن رؤيتهم كبشر".
وأوضح جندي ثان أنه في غزة "لم تكن حياة البشر في خطر. كان بإمكانك القتل، لم يكن هناك قانون. لن يقول لك أحد كلمة واحدة، لكنه شعور سيء. إنه في الغالب يقتل الصورة الإنسانية".
وتحدث جندي ثالث عن "حملات عقابية كنا نقوم بها في قرى الأقليات في قطاع غزة، أكثر من مرة أو مرتين. كنا نقبض على الرجال، ونوقفهم ونقضي عليهم. بالنظر إلى الوراء، يبدو الأمر وكأنه جريمة قتل".
أدلى جندي رابع بشهادته قائلاً: "كنا نتجول في مخيمات اللاجئين في غزة وننفذ عمليات تطهير. كل رجل رأيناه كان جندياً، هذا واضح. من المستحيل إثبات ذلك. ربما كان الأمر يتعلق بقتل سجناء أو مدنيين. كل جندي تجول هناك أنشأ ما يشبه معسكر اعتقال ولم يترددوا في قتل أي شخص يعترض طريقهم ولو قليلاً".
قال جندي خامس عن محاولة التمييز بين غريزة القتل وغريزة الرياضة: "إنه نقاش فلسفي".
ظهرت هذه الشهادات، التي لم تُنشر قط، في حوارات المقاتلين التي دارت في الكيبوتسات بعد حرب الأيام الستة. جُمعت مختارات من هذه المحادثات في كتاب مرجعي، لكن الكثير من الأدلة الدامغة حُذفت. كشف فيلم مور لوشي، الذي أُنتج قبل عقد من الزمن بعنوان حوار المقاتلين: اللقطات الخفية، عن بعض الجرائم التي ارتُكبت عام 1967، لكن الغالبية العظمى منها بقيت حبيسة المونتاج.
قالت لوشي عند عرض الفيلم: "من بين 200 ساعة من التسجيل، يتناول عدد كبير منها جرائم الحرب. وقد تكررت هذه القصة في كل كيبوتس تقريباً، وتكررت مراراً وتكراراً. وقد أدرجنا في الفيلم ثلاث أو أربع شهادات حول تصفية السجناء".
إن دراسة المحاضر الكاملة، الموجودة في أرشيف ياد تابنكين في رامات إفعال، صادمة، وتُظهر مدى عمق الهوة بين الذاكرة الجماعية في إسرائيل والواقع. تُشكّل هذه المحاضر، إلى جانب سلسلة من الوثائق التي تُنشر هنا لأول مرة، أساس تحقيق ملحق صحيفة هآرتس ودراسة أجراها معهد عكبوت (أعقاب) حول ما جرى خلال حرب الأيام الستة وما تلاها. يكشف التحقيق التاريخيأن إسرائيل طردت نحو 300 ألف عربي من الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان. وكما حدث عام 1948، شمل الطرد قتل المدنيين، وبث الرعب في المجتمعات العربية، والنهب، والتدمير في نهاية المطاف.
في الأسابيع التي أعقبت الحرب، سعى آلاف اللاجئين الفلسطينيين للعودة إلى الضفة الغربية بعد لجوئهم إلى شرق نهر الأردن. إلا أن قوات الجيش الإسرائيلي نصبت كمائن للعائدين وارتكبت مجزرة بحقهم. لم يُعلن عن مقتل الفلسطينيين العائدين، لكن الخبر وصل إلى مسامع عضو الكنيست أوري أفنيري. أخبره جندي مفجوع التقى به أنه ورفاقه تلقوا أوامر بإطلاق النار على النساء والأطفال. بعد الاستماع إلى شهادة جندي آخر، توجه أفنيري إلى رئيس الأركان إسحق رابين لفتح تحقيق وإصدار أمر بوقف القتل.
لم ينشر أفنيري هذه الكلمات في صحيفته هعولام هَزيه (هذا العالم)، ولم يتحدث عنها من على منصة الكنيست. ومثل غيره، التزم الصمت وانتظر خمسة عقود حتى كشف عنها في سيرته الذاتية:
"كل ليلة، يعبر العرب نهر الأردن من الضفة الشرقية إلى الضفة الغربية. كنا نغلق هذه المعابر، ونتلقى أوامر بإطلاق النار بقصد القتل، دون سابق إنذار. وبالفعل، كانت تُطلق هذه الرصاصات كل ليلة على الرجال والنساء والأطفال، حتى في الليالي المقمرة، عندما كان من الممكن تحديد المعابر. أي، للتمييز بين الرجال والنساء والأطفال. في الصباح، كنا نخرج لمسح المنطقة، ونقتل وفقاً للأمر الصريح من الضابط الموجود، الأحياء منهم، بمن فيهم المختبئون والجرحى. بعد انتهاء القتل، كنا ندفن الجثث بالتراب حتى وصول الجرار".
لاجئون فلسطينيون في سفوح تلال القدس. تُظهر الوثائق وجود فجوة هائلة بين الذاكرة الجماعية في إسرائيل وما حدث بالفعل. صورة: بانيا بن نون
أدلى جندي آخر بشهادته قائلاً: "أوضحوا لنا أنه إذا صادفنا قوافل لاجئين عائدين من الأردن إلى الضفة الغربية، فعلينا إطلاق النار عليهم. سألت الضابط: وإذا سمعت بكاء أطفال، فهل أطلق النار أيضاً؟ فكان جوابه: لا تكن فتاة (جباناً)".
اعترف عوزي نركيس، وهو لواء في القيادة المركزية خلال الحرب، لاحقاً بأن المقاتلين تلقوا تعليمات بإطلاق النار على العائدين وقتلهم إذا لم يعرفوا كلمة السر. وكيف كان للاجئين الفلسطينيين أن يعرفوا كلمة السر التي ستنقذهم من الموت؟ قال نركيس لصحيفة كوتيريت رشيت عام 1985: "أحياناً يبالغ البعض في تصرفاتهم، فبدلاً من طلب كلمة السر، يطلقون النار فوراً. عندما تندلع الحرب، تحدث مآسٍ".
أفاد الجيش الإسرائيلي نفسه أنه بحلول أوائل أيلول، قُتل ما يقرب من 150 فلسطينياً بهذه الطريقة، كما أكد رئيس الأركان رابين في اللجنة الوزارية للشؤون الأمنية أن هذه كانت الأوامر المتعلقة بالمتسللين. وتتوافق هذه الأوامر مع قرار الحكومة الصادر في 25 يونيو/حزيران بمنع عودة اللاجئين الذين عبروا نهر الأردن شرقاً.
بالعودة إلى حديث المقاتلين، يقول أحد الجنود: "لنفترض أننا مضطرون لمعاملة العرب بهذه الطريقة، فالسؤال هو ألا يُغفل ذلك جانباً أخلاقياً هاماً من كل ما نقوله فيما بيننا. أنا لست نباتياً، لكن هذا النوع من القتل لا بد أن تكون له عواقب وخيمة في حياتنا لاحقاً".
ثم روى قصة فتى أردني وقف لفترة طويلة على جانب الطريق ضمن مجموعة، حتى "ضربه الجنود برصاص كثيف وأخبروني بحماس شديد أنهم أطلقوا كل رصاصاتهم". كان يعرف كيف يُبلغ عن حصاد" كبير حدث في مكان آخر، لكنه لم يُسهب في الحديث عنه.
قارن مشارك آخر في الحوار سلوك الجنود النظاميين بسلوك جنود الاحتياط، قائلاً: "الجنود النظاميون يقتلون بسهولة أكبر. إنهم يرتكبون فظائع. لقد قتلوا وأطلقوا النار على السجناء حتى لو رفعوا أيديهم". وأضاف أنه شهد إعدام حوالي 15 رجلاً كانوا عُزّلاً.
يتكرر هذا النوع من الشهادات مراراً وتكراراً في محاضر الجلسات. قال أحد الجنود إنه شهد "حالات صدمتني حقاً، عمليات إعدام وما شابه". وروى جندي احتياطي أوامر صريحة بإعدام فلسطينيين أُسروا: "لم تكن محاكمة، لكن كان هناك ضابط من الحكم العسكري، من المخابرات، لا أعرف أين تحديداً؟ كان يراجع الوثائق ويقول: يجب إعدامهم، دون أي تفلسف".
لم تكن جرائم القتل تهدف دائماً إلى تسريع الترحيل أو التخلص من السجناء. روى جندي حادثة وقعت في شمال سيناء، في بحيرة البردويل. صادف الجندي ورفاقه سبعة عرب، مدنيين على ما يبدو، يجلسون على متن قارب شراعي صغير. ووفقاً له، فإن ممرضة رحيمة كانت ترافقهم "بادرت على الفور واقترحت إطلاق النار عليهم من مسافة بعيدة. صرخت في وجه المقاتلين: (أسرعوا، إنهم عرب!). قام جزء من القوة بتجهيز أسلحتهم، وظن الجندي في نفسه أنهم يضحكون. عندما أدرك جديتهم، صرخ في وجه الضابط: (لن تطلق النار، هل تسمع؟) لكن الضابط أجاب بأنه لا يتلقى أوامر منه. وتابع الجندي في شهادته: (خرجت المجموعة الأولى، وانضم إليها الجميع على الفور وأطلقوا النار من مسافة بعيدة. قفز ركاب القارب إلى الماء جرحى، ومن باب الشفقة قلت لأحدهم: حسناً، أطلق النار عليهم الآن)".
كتب جندي آخر إلى حبيبته: "لقد حوّلنا شبه جزيرة سيناء إلى وادٍ للقتل"، قائلاً إن الناس كانوا يُعدمون حتى وإن لم يكونوا يحملون أسلحة، وأن هذا الأمر كان يحدث مع كل من الجنود الأسرى والمدنيين. "لقد رأيتُ جرائم قتلٍ كثيرة لدرجة أنني لا أستطيع البكاء". لم يكن هذا الأمر شاذاً. ففي إحدى أكثر الحالات صدمة التي أُعدم فيها أسرى، كان من أصدر الأمر هو موشيه ليفي، ضابط أركان في قوات المظليين. وقد عُيّن ليفي لاحقاً رئيساً للأركان.
المصدر:
القدس