تعود المواجهة الأمريكية الإيرانية لتتصدر المشهد الإقليمي، واضعةً لبنان مرة أخرى في قلب معادلة جيوسياسية تتجاوز قدراته المحدودة. فالجغرافيا السياسية التي ميزت هذا البلد جعلت منه ساحة دائمة لتصادم المصالح الدولية، مما يضعه أمام تحدٍ وجودي لحماية سيادته.
يدخل لبنان هذه المرحلة الحرجة وهو في حالة من الهشاشة غير المسبوقة نتيجة الأزمات المالية والاقتصادية المتراكمة منذ سنوات. إن التداعيات الاجتماعية العميقة والخسائر المادية والبشرية في الجنوب اللبناني تجعل أي انزلاق نحو تصعيد إقليمي تهديداً لما تبقى من مقومات الدولة.
على الصعيد الداخلي، لا يزال الانقسام السياسي حاداً بشأن موقع حزب الله في الصراع الإقليمي ودوره العسكري. فبينما يرى تيار أن الحزب يمثل ركيزة للردع أمام إسرائيل، تطالب قوى أخرى بضرورة حصر قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الرسمية للدولة.
رغم هذا التباين السياسي، يبرز قاسم مشترك بين مختلف الأطياف اللبنانية يتمثل في الرفض القاطع للدخول في حرب شاملة. فالمجتمع الذي استنزفته الأزمات النقدية والمعيشية لم يعد قادراً على تحمل موجات نزوح جديدة أو دمار إضافي يطال البنية التحتية.
في المقابل، تبدو المواقف الدولية المعلنة تجاه لبنان دون مستوى التحديات الميدانية التي تفرضها التطورات المتسارعة. فالدول الكبرى تكتفي ببيانات الدعم اللفظي للسيادة اللبنانية دون تقديم ضمانات حقيقية تمنع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي اللبنانية.
يشعر اللبنانيون بأن التزام المجتمع الدولي باستقرار بلادهم هو هدف نظري يفتقر إلى آليات تنفيذية فعالة على أرض الواقع. هذا الفراغ في الضمانات الدولية يترك الساحة اللبنانية مكشوفة أمام الحسابات الأمنية والسياسية للأطراف المتصارعة في المنطقة.
من جهتها، تتعامل إسرائيل مع التصعيد الإقليمي من منظور يمزج بين الأمن القومي والحسابات السياسية والانتخابية الداخلية. هذا التوجه يجعل لبنان عرضة لأن يصبح جزءاً من معادلات لا تتعلق بالضرورة بما يحدث على أرضه، بل بما تطلبه التوازنات الإسرائيلية.
يطرح الواقع المعقد تساؤلاً جوهرياً حول الجهة القادرة على إخراج لبنان من وضعية 'الرهينة' للمشاريع الإقليمية المتضاربة. إن الإجابة على هذا التساؤل تبدو مرتبطة بمدى قدرة اللبنانيين على إنتاج توافق وطني حقيقي حول تعريف المصلحة العليا للبلاد.
إن التحرر من منطق 'الساحات المفتوحة' يتطلب إعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية وتعزيز قدرتها على إدارة الملفات السيادية. كما يستوجب ذلك دعماً عربياً ودولياً يتجاوز التصريحات الإعلامية إلى استثمارات اقتصادية وضمانات سياسية ملموسة تحمي الاستقرار.
تكمن المعضلة الأساسية في أن الأطراف الدولية تنظر إلى استقرار لبنان من زاوية مصالحها الخاصة فقط. وهذا ما يضع العبء الأكبر على القوى المحلية لتقليل قدرة الخارج على استخدام الساحة اللبنانية كمنصة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
لقد استنزفت العقود الماضية موارد لبنان البشرية والاقتصادية نتيجة الحروب المستمرة والصراعات التي لا تنتهي. وقد تحملت البلاد كلفة تفوق طاقاتها في وقت كانت فيه المنطقة تشهد تحولات كبرى وإعادة رسم شاملة لموازين القوى والنفوذ.
السؤال الملح اليوم ليس عن مدى قدرة لبنان على الصمود في مواجهة جديدة، بل عن استعداد المجتمع الدولي للاعتراف بحقه في التحييد. فلبنان قد دفع بالفعل الثمن الأغلى من استقراره ودماء أبنائه طوال سنوات النزاع الطويلة في الشرق الأوسط.
يرى مراقبون أن استقرار المنطقة يقتضي بالضرورة حماية لبنان من الانزلاق إلى أتون الحروب المقبلة. إن تحويل البلاد إلى ساحة صراع دائمة لم يعد خياراً مستداماً، خاصة في ظل الانهيار الاقتصادي الذي يعصف بكافة مفاصل الحياة اليومية.
في نهاية المطاف، تظل الأزمات اللبنانية مرتبطة بشكل وثيق بجذور الصراع في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وبدون معالجة هذه الجذور، سيبقى لبنان عرضة للاهتزازات الأمنية والسياسية التي تفرضها التوازنات الإقليمية المتغيرة باستمرار.
المصدر:
القدس