آخر الأخبار

عقوبات أوروبية على سموتريتش ومستوطنين بالضفة الغربية

شارك

في خطوة تجاوزت حدود التنديد الدبلوماسي التقليدي، أعلنت ست دول غربية عن حزمة عقوبات استهدفت مستوطنين وكيانات استيطانية في الضفة الغربية المحتلة. اللافت في هذه الإجراءات هو شمولها لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي منعت باريس دخوله إلى أراضيها، مما يمثل سابقة في التعامل الغربي مع أعضاء الحكومة الإسرائيلية الحالية.

تأتي هذه التحركات الدولية في وقت تشهد فيه الضفة الغربية تصاعداً غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين التي تتم برعاية رسمية وحماية من قوات الأمن الإسرائيلية. وقد عززت تقارير أممية هذا التوجه بعدما أكدت ضلوع السلطات الإسرائيلية المباشر في توفير الغطاء للمستوطنين أثناء ممارستهم العنف ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم.

من جانبها، أطلقت بريطانيا حزمة عقوبات رابعة استهدفت ستة كيانات وفرداً واحداً متورطين في تمويل وتمكين العمليات الاستيطانية. وتتزامن هذه الإجراءات مع أزمة اقتصادية خانقة تعيشها السلطة الفلسطينية نتيجة احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة، مما أدى لتراجع قدرة السلطة على صرف الرواتب بنسب تجاوزت النصف.

يرى مراقبون أن التوقيت الغربي لهذه العقوبات نابع من خشية حقيقية على بقاء السلطة الفلسطينية ككيان إداري وأمني في المنطقة. فالمسارات الإسرائيلية الحالية التي تهدف لخنق الاقتصاد الفلسطيني وتقطيع أوصال الضفة الغربية، تهدد بانهيار قد يؤدي إلى انفجار إقليمي شامل يمتد أثره من لبنان إلى إيران.

في المقابل، يقلل خبراء آخرون من جدوى هذه العقوبات، واصفين إياها بالإجراءات الرمزية التي تستهدف الأعراض ولا تعالج جوهر المشكلة المتمثل في منظومة الاحتلال. فبينما تُفرض قيود على أفراد، تستمر الدول ذاتها في تزويد إسرائيل بجزء كبير من ترسانتها العسكرية المستخدمة في العمليات الحربية المستمرة.

الرد الإسرائيلي جاء حاداً ومهاجماً، حيث وصفت وزارة الخارجية الإسرائيلية العقوبات بـ 'المشينة' واتهمت الدول الموقعة بالعجز عن مواجهة معاداة السامية. واعتبرت تل أبيب أن هذه الخطوات هي محاولة لفرض إملاءات سياسية تقوض ما تسميه 'حق اليهود في العيش في أرضهم'، في إشارة واضحة لرفض أي ضغوط دولية.

على الصعيد التحليلي، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كانت هذه العقوبات تمثل بداية تآكل الرصيد السياسي لإسرائيل في العواصم الغربية. فالفجوة تتسع بين تل أبيب وحلفائها التاريخيين الذين باتوا يرون في سياسات سموتريتش وبن غفير تهديداً مباشراً لرؤية حل الدولتين والاستقرار الإقليمي.

العقوبات الغربية تحولت من أداة ضغط إلى أداة لإدارة التوازن، وتُسجل موقفا أخلاقيا يبرّئ ضمير عواصم تواصل تسليح تل أبيب.

البيان الغربي المشترك يسقط الذريعة الإسرائيلية الدائمة بأن اعتداءات المستوطنين هي 'تصرفات فردية' لا تمثل الدولة. وبوضع القضاء الإسرائيلي تحت المجهر الدولي، تصبح الحكومة الإسرائيلية مطالبة بتقديم إجابات واضحة حول شرعنة البؤر الاستيطانية وتوفير الحماية للمعتدين.

ثمة رسالة مبطنة موجهة للناخب الإسرائيلي مفادها أن تكلفة دعم اليمين المتطرف بدأت تظهر في شكل عزلة دولية وعقوبات اقتصادية. ومع ذلك، يظل التأثير الفعلي محدوداً طالما أن الشراكات الاقتصادية الكبرى بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل لم تتأثر بشكل جوهري حتى الآن.

بالنسبة للفلسطينيين، يرى محللون أن هذه العقوبات هي محاولة دولية لضبط السلوك الإسرائيلي ومنعه من الوصول إلى نقطة اللاعودة. لكنهم يحذرون من أن تتحول هذه الإجراءات إلى 'مسكنات' سياسية تبرئ الضمير الأوروبي دون تغيير الواقع المرير على الأرض في مدن وقرى الضفة.

الواقع الاقتصادي في الضفة الغربية يواجه خنقاً ممنهجاً عبر أكثر من ألف حاجز ونقطة تفتيش تعيق حركة العمال والبضائع. كما أن رفض البنك المركزي الإسرائيلي تسلم فوائض الشيكل من البنوك الفلسطينية يهدد بشلل كامل في النظام المالي، مما يجعل العقوبات الفردية تبدو ضئيلة أمام هذا الحصار المؤسسي.

يطرح مختصون مفهوم 'اقتصاد الصمود' كبديل لمواجهة سياسات الخنق الإسرائيلية، داعين السلطة الفلسطينية لمراجعة موازناتها ودعم القطاعات الإنتاجية. ويرتبط نجاح هذا المسار بوجود شبكة أمان عربية وإسلامية قادرة على تعويض الأموال التي يحتجزها الاحتلال كأداة ابتزاز سياسي.

بنيوياً، يعاني الموقف الأوروبي من غياب الإجماع الكامل، مما دفع دولاً مثل فرنسا للعمل ضمن تحالفات مصغرة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة. ومن المقرر أن تستضيف باريس اجتماعاً وزارياً موسعاً في منتصف يونيو الجاري لبحث سبل تصعيد الضغط الدبلوماسي والقانوني على منظومة الاستيطان.

في الختام، يبقى البيان الغربي وثيقة هامة تسجل تحولاً في اللهجة، لكن العبرة تظل في تحويل هذه القوائم إلى ملاحقات قضائية دولية. فما لم يتم استهداف المشروع الاستيطاني كسياسة دولة رسمية، سيبقى المستوطنون يشعرون بالحصانة تحت حماية القوانين والجيش الإسرائيلي.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا