تتصاعد حدة التوتر في قطاع غزة مع ظهور مساعٍ إسرائيلية واضحة تهدف إلى السيطرة على نحو 70% من مساحة القطاع، وهو ما يتزامن مع تعقيدات كبيرة في مفاوضات القاهرة. وتواجه خارطة الطريق الجديدة 'صراع صياغات' مريراً بين الأطراف المعنية، في ظل انشغال الإدارة الأمريكية بملفات إقليمية أخرى ساخنة بعيداً عن الشأن الفلسطيني.
ويرى خبراء في الشؤون الإسرائيلية أن الاحتلال لم يوقف عملياته العسكرية فعلياً، بل استمر في حرب من طرف واحد تعتمد على القتل الممنهج والتدمير وتوسيع رقعة الاستيطان العسكري. ويأتي هذا السلوك كنوع من التعويض السياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يواجه أزمات داخلية حادة بسبب إخفاقه في تحقيق حسم عسكري واضح في الجبهات الأخرى.
ميدانياً، كشفت مصادر مطلعة عن تغييرات جذرية في خرائط الانتشار العسكري، حيث تم تجاوز ما كان يعرف بـ 'الخط الأصفر' الذي يحدد مساحة انتشار الجيش بنسبة 53%. وقد استُبدل هذا الخط بما يسمى 'الخط البرتقالي' الذي يكرس واقعاً جديداً من السيطرة، مما أدى إلى تآكل الثقة الشعبية في المبادرات السياسية الدولية الرامية لإنهاء الصراع.
وعلى الصعيد الإنساني، أعلنت مصادر طبية في قطاع غزة عن حصيلة ثقيلة للخروقات الإسرائيلية منذ توقيع اتفاق الهدنة الأخير في أكتوبر 2025. وأكدت البيانات استشهاد 961 فلسطينياً وإصابة أكثر من 3000 آخرين، مما يعكس هشاشة الاتفاقات القائمة واستمرار الاستنزاف البشري والمادي في صفوف المدنيين.
وفي كواليس السياسة، انتقل النقاش في العاصمة المصرية من بنود مبادرة ترمب الأصلية إلى مقترح جديد يُعرف بـ 'خارطة ملادينوف' المكونة من 15 بنداً. ويتركز الخلاف الجوهري حالياً حول البندين الثامن والتاسع، حيث تصر إسرائيل على جعل قضية نزع السلاح شرطاً مركزياً ومجرداً من أي سياق سياسي أو ضمانات انسحاب شامل.
وتشير التحليلات الدبلوماسية إلى أن الأدوات التنفيذية لاتفاقات التهدئة لا تزال معطلة رغم تشييد البنية الأساسية لها، وذلك بسبب تأخر وصول 'قوة الاستقرار الدولية'. ويحول هذا الفراغ الأمني دون تراجع الجيش الإسرائيلي إلى الحدود المعترف بها وفق قرار مجلس الأمن رقم 2803، مما يبقي الوضع الميداني في حالة انفجار دائم.
ويعتقد مراقبون أن نتنياهو يتبع استراتيجية الضغط المستمر لفرض واقع أكثر سوءاً على الفلسطينيين مع كل يوم تأخير في المفاوضات. ويهدف هذا النهج إلى إجبار المقاومة على القبول بشروط قاسية، مستغلاً في ذلك تراجع أولوية قضية غزة في الأجندة الدولية المنشغلة بأسعار النفط والأزمات الاقتصادية العالمية.
داخلياً، يخشى رئيس الوزراء الإسرائيلي من دفع أثمان سياسية باهظة في حال انتقاله للمرحلة الثانية من الاتفاق، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات. ويواجه نتنياهو ضغوطاً هائلة من حلفائه في اليمين المتطرف، مثل سموتريتش وبن غفير، الذين يرفضون أي انسحاب ويصرون على استمرار سياسات التهجير والاحتلال المباشر.
يُذكر أن قطاع غزة يعيش دماراً غير مسبوق طال 90% من بنيته التحتية بعد عامين من الحرب المستمرة، وسط تقديرات أممية تشير إلى أن إعادة الإعمار تتطلب نحو 70 مليار دولار. ورغم اتفاقات وقف إطلاق النار، لا يزال السكان يواجهون واقعاً كارثياً مع استمرار إغلاق المعابر وخنق تدفق المساعدات الإنسانية الضرورية.
المصدر:
القدس