آخر الأخبار

تدمير أحياء غزة: مخطط إسرائيلي لمحو التاريخ والتهجير

شارك

لم تعد ملامح قطاع غزة كما عهدها سكانها لعقود طويلة، إذ تسبب القصف الإسرائيلي المتواصل في تغيير جذري لخارطة الأحياء والشوارع. وتحولت المعالم البارزة التي كانت تشكل هوية المدن إلى تلال من الركام الممتد على مد البصر، مما جعل التعرف على الأماكن أمراً مستحيلاً حتى لأصحابها.

وأفادت مصادر محلية بأن المشهد الميداني الحالي يتلخص في اختفاء أحياء سكنية سويت بالأرض تماماً، وشوارع رئيسية غابت معالمها تحت وطأة القصف والتجريف. وتؤكد بلدية غزة أن هذا التدمير ليس عشوائياً، بل يأتي ضمن مخطط ممنهج لمسح مدن بأكملها بهدف دفع الأهالي نحو التهجير القسري.

ويواجه المواطنون العائدون إلى مناطقهم صدمة قاسية عند رؤية حجم التغيير الذي طرأ على بيئتهم المعيشية. فبعد أشهر من النزوح، يجد الفلسطينيون أنفسهم تائهين في أحيائهم القديمة، حيث غابت العلامات الإرشادية والمباني التي كانت تستخدم للاستدلال على الطرق والمنازل.

وفي شهادة حية، يروي المواطن أبو حسام مرتجى رحلة بحثه عن منزله في حي الزيتون شرقي غزة، مؤكداً أنه لم يجد سوى الركام في المكان الذي أفنى فيه سنوات عمره. وأوضح مرتجى أن غياب الملامح طال كل شيء، لدرجة أن الجيران لم يعودوا قادرين على تحديد حدود أراضيهم أو مواقع بيوتهم السابقة.

ولم يقتصر أثر الحرب على هدم المباني السكنية فحسب، بل امتد ليشمل طمس الخارطة العمرانية للمدن الفلسطينية بشكل كامل. فقد أدى القصف المكثف إلى تدمير البنى التحتية والمعالم التاريخية التي شكلت جزءاً أصيلاً من ذاكرة الأجيال المتعاقبة في القطاع المحاصر.

ويرى مختصون في التخطيط العمراني أن الاحتلال تعمد منذ بداية العدوان استهداف البيئة العمرانية للبلدة القديمة في مدينة غزة. وشملت عمليات المسح أحياء الشجاعية والتفاح والأجزاء الشرقية من حي الزيتون، وهي مناطق ذات ثقل تاريخي وسكاني كبير.

ويوضح المختص حمودة الدهدار أن الهدف من هذا التدمير هو تهميش الهوية الأثرية لمدينة غزة وفك الارتباط الوجداني والتاريخي للمواطن بأرضه. فمن خلال إزالة المساجد والمباني التاريخية، يسعى الاحتلال إلى محو الجذور التي تربط الفلسطينيين بمكانهم وتاريخهم العريق.

لا نعرف أين تقع بيوتنا ولا جيراننا؛ نحن نسير فوق ركام لا ملامح له ولا نعلم لأي منزل يعود.

وتتطابق هذه التحليلات مع البيانات الرسمية الصادرة عن بلدية غزة، والتي تشير إلى قيام قوات الاحتلال بنسف مربعات سكنية كاملة. وأكد المتحدث باسم البلدية، حسني مهنا أن هذه العمليات تندرج ضمن سياسة تدمير مقومات الحياة لجعل المدن غير قابلة للسكن مستقبلاً.

وتشير الإحصائيات الميدانية إلى أن حرب الإبادة المستمرة منذ أكتوبر 2023 قد خلفت دماراً واسعاً أصاب نحو 90% من البنى التحتية في القطاع. هذا الدمار لم يستثنِ المرافق الحيوية أو شبكات المياه والكهرباء، مما فاقم من معاناة الملايين الذين يعيشون أوضاعاً كارثية.

وبالرغم من الحديث عن اتفاقات لوقف إطلاق النار، إلا أن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف، مخلفة مزيداً من الضحايا والدمار. فمنذ أكتوبر 2025 وحده، سقط مئات الشهداء والجرحى في ظل حصار مشدد يمنع دخول المساعدات الإنسانية والطبية الأساسية.

وتعكس الأرقام حجم المأساة الإنسانية، حيث تجاوز عدد الشهداء 73 ألفاً، معظمهم من النساء والأطفال، منذ بدء العدوان الواسع. وتستمر هذه الحصيلة في الارتفاع مع تواصل القصف الذي يستهدف ما تبقى من تجمعات سكنية ومراكز إيواء في مختلف مناطق القطاع.

إن المفارقة القاسية تكمن في تحول الأسواق والشوارع التي كانت تنبض بالحياة إلى مساحات خالية من الروح والمعالم. واليوم، يجد سكان غزة أنفسهم أمام تحدي إعادة بناء ليس فقط منازلهم، بل هويتهم العمرانية التي حاول الاحتلال طمسها بكل الوسائل العسكرية.

ويبقى الصمود الفلسطيني هو العائق الوحيد أمام مخططات إفراغ الأرض من سكانها الأصليين رغم كل محاولات التغيير الديموغرافي والجغرافي. فبالرغم من الركام والدمار، يصر الأهالي على العودة إلى مناطقهم والتمسك بما تبقى من ذكريات وجذور في أرض الآباء والأجداد.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا لبنان إيران اسرائيل أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا