لم تكن حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة مجرد استهداف للمباني السكنية، بل امتدت لتطال العصب الحيوي لمستقبل الشباب الفلسطيني، متمثلاً في قطاع التكنولوجيا وريادة الأعمال. وتبرز حاضنة "يوكاس" التكنولوجية، التابعة للكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، كأحد أبرز الشواهد على هذا الاستهداف الممنهج بعد تحول مقرها في حي تل الهوى إلى ركام.
الحاضنة التي مثلت على مدار ثلاثة عشر عاماً نافذة أمل لآلاف الخريجين، تعرضت مرافقها ومنظومتها التدريبية لتدمير شامل شمل المختبرات والقاعات المتخصصة. وقد تسبب هذا الدمار في تعطيل مسار مئات الشباب الذين كانوا يستعدون للاندماج في سوق العمل الرقمي العالمي هرباً من واقع البطالة والحصار.
وفي حديثه حول الواقع الراهن، أكد عبد الله الطهراوي، مدير الحاضنة أن المؤسسة تأسست بهدف الاستثمار في العقول الفلسطينية وتعزيز ثقافة الابتكار. وأوضح أن الحاضنة نجحت تاريخياً في دعم أكثر من 500 شاب وشابة، واحتضان مشاريع نوعية في مجالات التقنية والتجارة والصناعات الإبداعية.
كانت الحاضنة قبل الحرب تضم 13 مرفقاً متطوراً، من بينها استوديوهات إنتاج إعلامي ومساحات عمل مشتركة وفرت بيئة خصبة للإبداع. كما قدمت برامج إستراتيجية دعمت الشركات الناشئة بمنح مالية تراوحت بين 5 و10 آلاف دولار، مما ساعد في تحويل الأفكار الطموحة إلى مشاريع منتجة على أرض الواقع.
الخسائر البشرية والمادية كانت فادحة، حيث فقدت الحاضنة عدداً من كوادرها المبدعين بين شهيد وأسير خلال العدوان. وبحسب تقييمات ميدانية شملت 100 شركة ناشئة، تبين أن أكثر من 95% من البيئات التشغيلية لهذه الشركات أصبحت غير صالحة للعمل نتيجة الدمار الكلي أو الجزئي.
وتشير البيانات الإحصائية الصادرة عن الحاضنة إلى أن نحو 23% من الكفاءات العاملة في هذه المشاريع اضطروا لمغادرة قطاع غزة بحثاً عن الأمان وفرص العمل بالخارج. هذا النزيف في رأس المال البشري يمثل التحدي الأكبر أمام استعادة الحراك الريادي الذي كان ينمو بوتيرة متسارعة قبل الحرب.
رغم هذا المشهد القاتم، أعلنت إدارة الحاضنة عن إطلاق خطة تعافي عاجلة تهدف إلى استعادة البرامج الأساسية وتوفير مساحات عمل بديلة. وتستهدف المرحلة الأولى من هذه الخطة أكثر من 100 مستفيد، في محاولة لإعادة الحياة لمنظومة الابتكار التي دمرها الاحتلال.
الاقتصاد الرقمي كان يمثل قبل الحرب أحد أكثر القطاعات واعدة في غزة، حيث تمكن الشباب من تجاوز الحصار عبر العمل الحر وتطوير البرمجيات. وقد وصلت العديد من الشركات الناشئة الغزية إلى الأسواق العربية والدولية، مما وفر مصادر دخل مستقرة لمئات العائلات في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
من جانبه، أشار المهندس محمد الصفدي، المشرف على مشروع "إي لانسر"، إلى أن الحرب عطلت المسار المهني لمئات المتدربين في مجالات البرمجة وتطوير الويب. وأكد أن تدمير المختبرات التقنية والحواسيب لن يثني القائمين على المشروع عن مواصلة تدريب الكفاءات الرقمية كمسار أساسي للتعافي.
ويهدف مشروع "إي لانسر" الممول من الحاضنة إلى تمكين الخريجين من مهارات تصميم الأنظمة الرقمية وآليات العمل عبر المنصات العالمية. وترى الطالبة ثراء الشريف، إحدى المستفيدات أن المشروع يمنحها الخبرة العملية اللازمة للمنافسة في السوق الرقمي رغم الظروف الاستثنائية التي يمر بها القطاع.
ولم تكتفِ الحاضنة بالجانب التقني، بل امتدت جهودها لتشمل التمكين الاقتصادي للفئات الأكثر تضرراً، مثل مشروع "جواري الرسول" المخصص لليتيمات. ويهدف هذا المشروع، بالشراكة مع معهد الأمل للأيتام، إلى تدريب الفتيات اللواتي فقدن معيلهن على فنون الأزياء والخياطة الاحترافية.
وتوضح أمينة حمو، منسقة اختصاص التصميم أن التدريب يتم وفق معايير مهنية حديثة مع توفير كافة المعدات والخامات اللازمة للإنتاج مجاناً. ويسعى البرنامج إلى تحويل المشاركات من متلقيات للمساعدات إلى منتجات قادرات على إعالة أسرهن بكرامة واقتدار مهني.
الطالبة بيان الشرفا، إحدى المشاركات في برنامج التصميم، تؤكد أن المشروع منحها الثقة لتحويل أفكارها إلى منتجات قابلة للتسويق في السوق المحلي. وتعتبر بيان أن اكتساب مهارة مهنية حقيقية يمثل طوق نجاة لها ولأسرتها في مواجهة تداعيات الحرب والفقر المتزايد.
في نهاية المطاف، تظل محاولات حاضنة "يوكاس" للنهوض من تحت الركام رسالة صمود تعكس إرادة الشعب الفلسطيني في البناء والعطاء. فإعادة الإعمار بالنسبة لهذه المؤسسة لا تبدأ بالحجر، بل بتمكين الإنسان وامتلاكه لأدوات المستقبل مهما بلغت قسوة التحديات الراهنة.
المصدر:
القدس