تتصاعد صرخات مئات الزوجات الفلسطينيات العالقات في قطاع غزة، اللواتي يجدن أنفسهن وأطفالهن محاصرين بين مطرقة الحرب وسندان الفراق القسري عن أزواجهن المقيمين في الخارج. في مخيمات النزوح المكتظة بمنطقة المواصي غرب خان يونس، تعيش هذه الأسر فصولاً من المعاناة اليومية التي لا تنتهي، حيث تحول الحصار والقيود الإسرائيلية المشددة دون تحقيق حلم لم الشمل.
آلاء لافي، واحدة من هؤلاء النسوة، تروي بمرارة كيف تعيش مع أطفالها الخمسة في خيمة بالية لا تقي حرارة الصيف ولا برودة الشتاء، بينما ينتظر زوجها وصولهم إلى بلجيكا بعد حصولهم على حق لم الشمل. تضاعف آلام آلاء إصابتها بمرض السرطان، حيث تفتقر مستشفيات القطاع المنهارة للعلاج اللازم، مما يجعل سفرها ضرورة طبية وإنسانية ملحة لإنقاذ حياتها.
للأسبوع الثالث على التوالي، تنظم هؤلاء النسوة وقفات احتجاجية في مناطق متفرقة من القطاع، يرفعن خلالها لافتات تطالب بالحق الأساسي في التنقل والعيش تحت سقف واحد مع أزواجهن. تعبر هذه الفعاليات عن حالة اليأس التي وصلت إليها العائلات، في ظل استمرار إغلاق المعابر الحيوية، لا سيما معبر رفح الذي تسيطر عليه قوات الاحتلال بشكل كامل.
هنادي العديني، أم لأربعة أطفال، تصف واقعاً مريراً حيث يضطر أطفالها لتحمل مسؤوليات تفوق أعمارهم، مثل البحث عن المياه وتأمين وجبات الطعام البسيطة في ظل النزوح المستمر. هنادي التي نجت مع أطفالها من غارة إسرائيلية سابقة، تتساءل بمرارة عن صمت العالم تجاه مأساتهم، بينما يبتعد والدهم عنهم لسنوات بحثاً عن لقمة العيش.
وفي مشهد مؤثر، تبكي الطفلة فداء أبو سليمان شوقاً لوالدها الذي لم تره منذ أن كانت رضيعة في عامها الأول، حيث غادر القطاع قبل ست سنوات ولم يتمكن من العودة. والدتها حنين تؤكد أن غياب الأب خلف فجوة عاطفية ونفسية كبيرة لدى الأطفال، الذين باتت صور والدهم ومكالمات الفيديو المتقطعة هي صلتهم الوحيدة به.
الطفل عبد الرحمن أبو طير، الذي يقطن في خيمة بمنطقة المواصي بعد نزوح عائلته قسراً من شرق خان يونس، يمثل صوتاً لآلاف الأطفال المحرومين من آبائهم. يرفع عبد الرحمن لافتة تطالب بحقه في العيش مع والده المغترب منذ ثماني سنوات، مؤكداً رغبته في ممارسة حياته الطبيعية واللعب والتعلم كبقية أطفال العالم بعيداً عن أجواء الحرب.
وتشير التقديرات التي نقلتها مصادر محلية إلى وجود نحو 830 زوجة وخطيبة عالقة في القطاع، يعلن ما يقارب 1500 طفل، يعيش أغلبهم في مراكز الإيواء والخيام. هؤلاء النسوة فقدن منازلهن وممتلكاتهن خلال العمليات العسكرية المستمرة، وباتت آمالهن معلقة على قرار دولي أو إنساني يفتح لهن أبواب المعابر المغلقة.
هديل حسين حبيب، المتحدثة باسم الزوجات العالقات، تروي قصتها الشخصية كخطيبة لشاب مقيم في الأردن، حيث عقد قرانهما قبل ثلاث سنوات ولم تتمكن من السفر لإتمام الزفاف. تعيش هديل حالياً في فصل دراسي داخل مدرسة تحولت لمركز إيواء بمدينة حمد السكنية، بعد أن دمر الاحتلال شقة عائلتها ومنزلهم في حي الشجاعية.
تؤكد هديل أن حياة مئات الفتيات والنساء باتت معلقة، حيث يخشين على مستقبلهن في ظل انعدام الأفق السياسي واستمرار السيطرة الإسرائيلية على المعابر البرية. وتناشد هؤلاء النسوة الدول العربية والأوروبية بضرورة التدخل العاجل لإجلائهن إنسانياً، وتسهيل إجراءات التحاقهن بعائلاتهن التي تنتظرهن خلف الحدود.
المعاناة لا تقتصر على البعد الجسدي فحسب، بل تمتد لتشمل الأعباء الاقتصادية الثقيلة التي تقع على كاهل الأمهات في غياب المعيل، خاصة في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار وندرة المواد الأساسية. تجد الأم نفسها مضطرة للقيام بدور الأب والأم معاً في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الأمان، مما يسبب ضغوطاً نفسية هائلة على كافة أفراد الأسرة.
القيود المفروضة على معبر رفح منذ مايو 2024 زادت من تعقيد المشهد، حيث توقفت حركة المسافرين والحالات الإنسانية بشكل شبه كامل، مما أدى لتراكم آلاف الملفات العالقة. هذا الإغلاق الممنهج يعتبره حقوقيون جزءاً من سياسة العقاب الجماعي التي تمارس ضد سكان القطاع، والتي تشتت شمل العائلات الفلسطينية بشكل متعمد.
في كل زاوية من مخيمات النزوح، تبرز قصة جديدة لعائلة مزقها الحصار، حيث ينمو جيل كامل من الأطفال وهم لا يعرفون عن آبائهم سوى أصواتهم عبر الهواتف. هذه الحالة من التشتت الأسري تخلق آثاراً اجتماعية بعيدة المدى، وتزيد من حالة الحنق الشعبي تجاه الصمت الدولي المطبق حيال هذه القضايا الإنسانية الصارخة.
تطالب الزوجات العالقات بآلية واضحة وشفافة للسفر، تضمن خروجهن الآمن مع أطفالهن دون التعرض لمخاطر الطريق أو الابتزاز المالي الذي قد يواجه المسافرين في بعض الأحيان. إن استمرار هذا الوضع يعني بقاء مئات الأطفال في بيئة غير صحية وغير آمنة، بعيداً عن الرعاية الأبوية التي كفلتها كافة القوانين والمواثيق الدولية.
ختاماً، تبقى قضية الزوجات العالقات في غزة جرحاً نازفاً في جسد المجتمع الفلسطيني، وصرخة في وجه الضمير العالمي للتحرك وإنهاء هذه المأساة. إن فتح المعابر وتسهيل لم شمل العائلات ليس مجرد مطلب سياسي، بل هو حق إنساني أصيل يجب ألا يخضع للمساومات العسكرية أو الحسابات السياسية الضيقة.
المصدر:
القدس