تشهد الساحة الميدانية في قطاع غزة تصعيداً إسرائيلياً لافتاً خلال الأيام الأخيرة، حيث كثفت قوات الاحتلال من عملياتها العسكرية التي أسفرت عن ارتقاء أعداد متزايدة من الشهداء وتدمير واسع في البنى التحتية. وتتزامن هذه التطورات مع إعلان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن توسيع ما يسمى بـ 'المنطقة الصفراء' لتشمل 60% من مساحة القطاع بدلاً من 52%، مع إصدار توجيهات للوصول بها إلى 70%.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن استراتيجية نتنياهو الحالية تقوم على استباحة القطاع عسكرياً رغم وجود اتفاق هدنة معلن منذ العاشر من أكتوبر 2025. وتتعامل حكومة الاحتلال مع هذا الوضع كحق مكتسب، مستغلة الغطاء السياسي والعسكري الذي توفره الولايات المتحدة، مما أدى إلى تحويل الالتزام بوقف إطلاق النار إلى طرف واحد فقط وهو الجانب الفلسطيني.
ورصدت تقارير ميدانية ارتكاب جيش الاحتلال لأكثر من 2200 خرق لاتفاق الهدنة منذ إعلانه، وهي الخروقات التي أدت إلى ارتقاء 945 شهيداً وإصابة نحو ثلاثة آلاف مواطن بجروح متفاوتة. وتكشف هذه الأرقام عن حجم الاستهتار الإسرائيلي بالضمانات الدولية والاتفاقات المبرمة، في ظل صمت دولي مطبق تجاه هذه الانتهاكات المستمرة.
وتسعى سلطات الاحتلال من خلال هذا التصعيد إلى إنشاء حقائق جغرافية وديموغرافية جديدة على الأرض، عبر محاولة قضم المزيد من أراضي القطاع وضمها للمناطق المحتلة. ولا تسقط حكومة نتنياهو من حساباتها احتمال استكمال احتلال القطاع كاملاً في خرق فاضح لكل التفاهمات، مما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة من المواجهة.
وإلى جانب الضغط العسكري، يمارس الاحتلال سياسة الابتزاز السياسي والاقتصادي ضد سكان غزة، بهدف إخضاع الحاضنة الشعبية وإجبار المقاومة على تسليم سلاحها. وتشمل هذه السياسة استمرار الحصار الخانق ومنع إدخال أكثر من نصف الكميات المتفق عليها من المساعدات الإنسانية والاحتياجات الأساسية للسكان المحاصرين.
وتعتمد الاستراتيجية الإسرائيلية أيضاً على إبقاء قطاع غزة في حالة توتر دائم واستنزاف مستمر، لتسهيل عملية الانتقال إلى حرب شاملة في أي لحظة يراها نتنياهو مناسبة. هذا النهج يهدف إلى إنهاك القوى الحية في المجتمع الفلسطيني ومنع استقرار الأوضاع الأمنية أو المعيشية، مما يجعل القطاع بيئة طاردة للسكان.
ويرى مراقبون أن نتنياهو يحاول من خلال هذه الممارسات المتوحشة تحقيق 'إنجاز عسكري' يقدمه للناخب الإسرائيلي مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست في أكتوبر 2026. وتظهر استطلاعات الرأي الحالية تراجعاً كبيراً في شعبية الائتلاف الحاكم، مما يدفع نتنياهو للهروب نحو التصعيد العسكري لإنقاذ مستقبله السياسي.
ورغم آلة القتل والدمار، يواجه نتنياهو 'عقدة' تتمثل في الفشل في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها نزع سلاح المقاومة أو كسر إرادتها. ويترافق هذا الفشل الميداني في غزة مع إخفاقات مماثلة على الجبهة اللبنانية وفي مواجهة النفوذ الإيراني المتصاعد في المنطقة، مما يزيد من الضغوط على الحكومة المتطرفة.
وتخشى الدوائر السياسية في تل أبيب من وصول واشنطن إلى اتفاق مع طهران قبل أن تتمكن حكومة نتنياهو من فرض واقعها العسكري، ولذلك يلجأ الأخير إلى تفجير الأوضاع لإبقاء الصراع مفتوحاً. هذا السلوك يعكس رغبة في الهروب من 'كشف حساب' داخلي سيظهر حتماً فشل العمليات العسكرية في تحقيق الأمن الموعود للمستوطنين.
وعلى الصعيد الدولي، تسببت المجازر الجماعية وسياسة التجويع في عزل الكيان الإسرائيلي بشكل غير مسبوق، حيث تحول في نظر الكثير من الدول والمؤسسات الحقوقية إلى كيان منبوذ. وتواجه إسرائيل حالياً بيئة إقليمية أكثر عداءً وقلقاً أمنياً مستداماً، رغم كل محاولات الحسم العسكري التي لم تؤدِ إلا إلى تعميق الأزمات.
ومن المتوقع أن يستمر نتنياهو في نهجه التصعيدي حتى موعد الانتخابات المقبلة على الأقل، مراهناً على عامل الوقت لتحقيق خرق ما في جدار المقاومة. إلا أن عناصر الضغط العكسي بدأت تظهر بوضوح، خاصة مع التراجع التدريجي في الغطاء الأمريكي المطلق وتصاعد الضغوط الشعبية والسياسية في العواصم الغربية.
ختاماً، فإن هذه الاستراتيجيات الإسرائيلية تعاني من حالة إنهاك واضحة داخل صفوف الجيش، بالإضافة إلى تعطل مسارات التطبيع الإقليمي التي كانت تراهن عليها تل أبيب. وهذا يعني أن هذه السياسات قد تخضع للتعديل أو الانكسار أمام صمود المقاومة والمستجدات الميدانية والسياسية التي قد تفرض نفسها في المرحلة المقبلة.
المصدر:
القدس