أثار قرار الإدارة الأمريكية بتغيير مسمى منصب توم برّاك من مبعوث خاص إلى سوريا إلى مبعوث رئاسي خاص يشمل سوريا والعراق، تساؤلات واسعة حول الأبعاد القانونية والسياسية لهذه الخطوة. ويأتي هذا التغيير في وقت تشهد فيه العلاقات بين واشنطن ودمشق تحولات جذرية، تزامنت مع احتفاظ برّاك بمنصبه الأصلي سفيراً للولايات المتحدة في العاصمة التركية أنقرة.
وأوضحت مصادر مطلعة أن هذا الإجراء يهدف في المقام الأول إلى تجاوز التعقيدات القانونية داخل أروقة صنع القرار الأمريكي. حيث تتطلب القوانين المنظمة لعمل المبعوثين الخاصين الحصول على موافقة صريحة من الكونغرس في حال استمرار المسؤول في منصبه لأكثر من عام، وهو ما سعى البيت الأبيض لتجنبه عبر تغيير المسمى الوظيفي.
ويرى مراقبون أن الرئيس الأمريكي فضل استخدام صلاحياته التنفيذية المباشرة لتسمية برّاك مبعوثاً رئاسياً، بدلاً من الدخول في نقاشات مطولة ومعقدة مع المشرعين في الكونغرس. هذه الخطوة تضمن استمرارية برّاك في قيادة الملف السوري دون انقطاع، مع توسيع نطاق مهامه لتشمل الملف العراقي أيضاً في إطار رؤية إقليمية شاملة.
وفي سياق متصل، أكد الرئيس الأمريكي أن هذه الخطوة تأتي لتعزيز التعاون الاستراتيجي مع حكومتي سوريا والعراق، مشيداً بالأداء الدبلوماسي الذي قدمه برّاك خلال الفترة الماضية. وأشار البيت الأبيض إلى أن العلاقات الأمريكية مع البلدين تنمو بشكل مضطرد، مما يستوجب وجود تمثيل دبلوماسي رفيع المستوى يمتلك صلاحيات واسعة.
وشهدت الساحة الدبلوماسية تطوراً لافتاً تمثل في اتصال هاتفي جرى بين الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الأمريكي دونالد ترامب. تناول الاتصال سبل تطوير العلاقات الثنائية وبحث القضايا ذات الاهتمام المشترك، مما يعكس جدية الطرفين في الانتقال بالعلاقات إلى مرحلة جديدة من التنسيق المباشر.
من جانبه، وصف فاروق بلال، رئيس المجلس السوري الأمريكي، التطورات الحالية بأنها غير مسبوقة ولم تشهدها المنطقة منذ ستة عقود. وأوضح أن العام الماضي شهد مساعي حثيثة من دمشق وواشنطن لربط المؤسسات الحكومية ببعضها البعض، بما يتجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية إلى تنسيق فني وتقني مباشر.
وأشار بلال إلى أن قنوات التواصل باتت مفتوحة الآن بين وزارة الخارجية الأمريكية ونظيرتها السورية، بالإضافة إلى تنسيق مماثل بين وزارة الخزانة الأمريكية ووزارة المالية السورية. هذا المستوى من التواصل المؤسسي قلل من الحاجة لمنصب مبعوث خاص تقليدي، واستدعى رفع الصفة إلى مبعوث رئاسي يشرف على هذه الروابط.
وفي قراءة مغايرة، اعتبر هشام نشواتي، مؤسس منظمة 'سوريا طريق الحرية' أن المنصب الجديد يعد ترفيعاً سياسياً لبرّاك يعكس ثقة الإدارة المطلقة في قدراته. وأكد أن إلغاء منصب المبعوث الخاص واستبداله بمبعوث رئاسي يعني أن برّاك أصبح الوصي الفعلي على تنفيذ رؤية ترامب في منطقة الهلال الخصيب.
ولفت نشواتي إلى أن إجراءات الكونغرس تحدد مدة عمل المبعوثين بنصف عام قابلة للتمديد لمرة واحدة، وهو ما جعل التغيير ضرورة إدارية لضمان بقاء برّاك في موقعه. وبدلاً من تعيين مسؤول جديد، اختارت الإدارة ترفيع المسؤول الحالي لضمان استقرار السياسة الخارجية تجاه الملفين السوري والعراقي.
وتشير تقارير إلى أن هذا التغيير قد يكون مرتبطاً بانتهاء صفة 'الأزمة' التي كانت تلازم الملف السوري في الأروقة الأمريكية لسنوات طويلة. فالتوجه الحالي يميل نحو تطبيع العلاقات المؤسسية والتعامل مع الدولة السورية كشريك استراتيجي في المنطقة بعيداً عن لغة التصعيد السابقة.
وفي تحرك برلماني داعم لهذا التوجه، طالب عضو الكونغرس جو ويلسون بضرورة إلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب بشكل فوري. واعتبر ويلسون أن التطورات الإيجابية الأخيرة، وعلى رأسها تعيين برّاك مبعوثاً رئاسياً، تستوجب تحديث القوانين الأمريكية لتتواكب مع الواقع السياسي الجديد.
ويرى محللون أن دمج الملفين السوري والعراقي تحت إشراف مبعوث واحد يعكس رغبة واشنطن في خلق كتلة إقليمية متوازنة تتعاون في ملفات الأمن والطاقة. وتوم برّاك، الذي يوصف بأنه مهندس العلاقات الحديثة بين واشنطن ودمشق، يبدو الشخص الأكثر تأهيلاً لإدارة هذا التوازن المعقد.
إن التحول من 'إدارة الأزمة' إلى 'بناء الشراكة' يظهر بوضوح في طبيعة المهام الموكلة لبرّاك في منصبه الجديد، حيث سيعمل على تعزيز الروابط الاقتصادية والأمنية. وتؤكد المصادر أن الفترة المقبلة ستشهد مزيداً من الزيارات المتبادلة والاتفاقيات التي تكرس هذا التوجه الدبلوماسي الجديد للإدارة الأمريكية.
ختاماً، يبقى توم برّاك حلقة الوصل المركزية في سياسة ترامب تجاه الشرق الأوسط، حيث يجمع بين العمل الميداني في أنقرة والتخطيط الاستراتيجي في دمشق وبغداد. هذا الدور المركب يمنحه نفوذاً واسعاً لتشكيل ملامح المرحلة المقبلة في العلاقات العربية الأمريكية بما يخدم المصالح المشتركة للطرفين.
المصدر:
القدس