عادت قلعة الشقيف الحجرية، الشامخة فوق تلال جنوب لبنان منذ العصور الوسطى، لتتصدر المشهد العسكري والسياسي بعد أن أحكمت قوات الاحتلال الإسرائيلي قبضتها عليها يوم السبت. ويمثل هذا التحرك العسكري عودة لواحد من أكثر المواقع رمزية في تاريخ الصراع اللبناني الإسرائيلي، حيث كانت القلعة حصناً مركزياً للاحتلال طوال ثمانية عشر عاماً قبل الانسحاب القسري في عام 2000.
وتكتسب القلعة التي يعود تاريخ بنائها إلى نحو 900 عام أهمية استراتيجية فائقة نظراً لموقعها الجغرافي الفريد الذي يشرف على نهر الليطاني. وتتيح القلعة لمن يسيطر عليها رؤية بانورامية تمتد إلى هضبة الجولان المحتلة شرقاً وشواطئ البحر الأبيض المتوسط غرباً، مما يجعلها نقطة مراقبة عسكرية لا تضاهى في المنطقة.
وفي تعليقه على هذا التطور، اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الوصول إلى الشقيف يمثل انتصاراً معنوياً وسياسياً لجيشه. وأشار نتنياهو إلى أن المكان الذي كان يوماً ما رمزاً للانقسام الداخلي الإسرائيلي خلال حرب لبنان الأولى، بات اليوم يجسد ما وصفه بوحدة الإسرائيليين وتصميمهم في الحرب الحالية.
من جانبه، أكد حزب الله اللبناني أن القلعة لم تكن تضم أي مظاهر عسكرية أو مقاتلين تابعين له عند دخول القوات الإسرائيلية إليها. وأوضح الحزب أن المواجهات الميدانية لا تزال مستمرة في المناطق المحيطة بالحصن التاريخي، مشدداً على أن السيطرة على الحجر لا تعني حسم المعركة في الميدان المفتوح.
وتعد قلعة الشقيف شاهداً حياً على تعاقب الحضارات والحروب، حيث بناها الصليبيون في القرن الثاني عشر الميلادي فوق أساسات قديمة. وقد شهدت أسوارها معارك طاحنة خاضها القائد صلاح الدين الأيوبي، ثم سيطر عليها فرسان الهيكل والمماليك، وصولاً إلى العصر الحديث حيث أصبحت معقلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ويرى خبراء أمنيون أن القيمة العسكرية للقلعة لم تتأثر كثيراً بالتطورات التكنولوجية الحديثة وظهور الطائرات المسيرة. وأوضح المحلل الأمني رياض قهوجي أن الموقع الاستراتيجي للقلعة يمنح القوات البرية ميزة تكتيكية كبرى في السيطرة على المحاور الحيوية بجنوب لبنان، وهو ما يفسر إصرار الاحتلال على الوصول إليها.
وبالنسبة للبنانيين، تمثل القلعة جرحاً تاريخياً يذكرهم بسنوات الاحتلال الطويلة التي بدأت عام 1982، حيث كانت جدرانها شاهدة على الغارات والعمليات العسكرية المستمرة. ويرى باحثون في مركز كارنيغي للشرق الأوسط أن العودة الإسرائيلية للشقيف هي محاولة لفرض واقع جديد يذكر اللبنانيين بعهد السيطرة المباشرة على حياتهم وقراهم.
وعلى الصعيد الثقافي، تندرج قلعة الشقيف ضمن قائمة منظمة اليونسكو للمواقع التراثية العالمية التي تتمتع بحماية معززة بموجب اتفاقية عام 1954. ورغم هذه الحماية الدولية، فإن غياب إسرائيل عن عضوية المنظمة يثير مخاوف جدية حول مصير المعلم التاريخي الذي تعرض لأضرار جسيمة في حروب سابقة.
وكانت القلعة قد تحولت بعد عام 2000 إلى مزار سياحي ورمز لـ 'الانتصار' بالنسبة لحزب الله، حيث رُفع علمه الأصفر فوق أسوارها لسنوات طويلة. واليوم، يعيد مشهد العلم الإسرائيلي وهو يرفرف فوق القمة ذاتها للأذهان صوراً من الماضي، مما يثير مشاعر متناقضة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه بين الفخر والخشية من الغرق في 'المستنقع اللبناني' مجدداً.
ويشير المؤرخون العسكريون إلى أن الشقيف كانت دائماً 'ترمومتراً' للصراع؛ فاحتلالها يرمز للقوة والسيطرة، وفقدانها يرمز للتراجع والهزيمة. ويرى البعض في إسرائيل أن السيطرة الحالية هي رسالة موجهة لحزب الله مفادها أن الجيش الإسرائيلي قد تجاوز 'صدمة لبنان' ولم يعد يخشى التمركز في المواقع الأمامية المكشوفة.
وفي ظل الحرب الدائرة، تسببت العمليات العسكرية المحيطة بالقلعة في نزوح مئات الآلاف من سكان القرى المجاورة وتدمير واسع في البنية التحتية. وتظل القلعة، رغم جراحها، واقفة كشاهد صامت على صراع إرادات لا ينتهي، حيث تتداخل فيها الأساطير التاريخية مع الحسابات العسكرية المعقدة للقرن الحادي والعشرين.
وتحمل جدران القلعة العتيقة آثاراً لا تمحى من الرصاص والقذائف التي تعود لفترات زمنية مختلفة، بدءاً من اشتباكات السبعينيات وصولاً إلى حرب عام 2006. هذه الندوب تحكي قصة حصن لم يعرف الهدوء إلا لسنوات قليلة، قبل أن يعود مجدداً ليكون قلب العاصفة في المواجهة الراهنة.
وتؤكد مصادر ميدانية أن القوات الإسرائيلية بدأت بتعزيز تحصيناتها داخل القلعة ومحيطها، مما يشير إلى نية للبقاء لفترة غير محددة. هذا التحرك يثير تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تخطط لتحويل القلعة مجدداً إلى قاعدة عمليات دائمة كما فعلت في الثمانينيات، أم أنها مجرد نقطة ارتكاز مؤقتة.
ختاماً، تبقى قلعة الشقيف أكثر من مجرد بناء حجري قديم؛ إنها نقطة التقاء التاريخ بالجغرافيا والسياسة بالدم. ومع استمرار القتال في جنوب لبنان، يظل مصير هذا المعلم العالمي معلقاً بين مطامع السيطرة العسكرية وضرورات الحفاظ على التراث الإنساني الذي يمثله هذا الحصن الفريد.
المصدر:
القدس