تشير القراءات السياسية إلى أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يعود مجدداً إلى لغة التصعيد العسكري كلما اشتدت الأزمات الداخلية التي تحاصره. ويبدو أن الدم بات الوسيلة الأخيرة لترميم صورته السياسية المتصدعة وتأجيل سقوطه الذي يلاحقه من داخل الكيان وخارجه.
إن ما تشهده الجبهة اللبنانية حالياً ليس مجرد تبادل لإطلاق النار، بل هو فصل جديد من مشروع تصعيدي يسعى من خلاله نتنياهو لإعادة تشكيل توازنات المنطقة بالقوة. يأتي هذا التوجه بعد عجز الاحتلال عن إخضاع المنطقة عبر المسارات السياسية والدبلوماسية التقليدية.
لا يمكن فصل التصعيد ضد لبنان عن المشهد الإسرائيلي المأزوم، حيث يعيش نتنياهو لحظات ارتباك حادة بين ضغوط المعارضة وغضب الشارع المتصاعد. كما تساهم تصدعات المؤسسة الأمنية والملفات القضائية في دفعه نحو خيارات عسكرية لخلط الأوراق.
تتحول الحرب في العقيدة السياسية لنتنياهو إلى أداة لإعادة إنتاج الزعامة ومحاولة لتوحيد الجبهة الداخلية عبر خلق عدو خارجي دائم. ويدرك نتنياهو أن المجتمعات الخائفة تكون أقل ميلاً للمحاسبة، حيث يغطي صوت الصواريخ عادة على أصوات الاحتجاجات المطالبة برحيله.
يمنح توسيع دائرة المواجهة مع لبنان فرصة لنتنياهو للهروب إلى الأمام، مقدماً نفسه في ثوب 'حامي إسرائيل'. ورغم أن هذا المسار قد يدفع المنطقة بأكملها نحو الهاوية، إلا أن الحسابات الشخصية للنجاة السياسية تظل المحرك الأساسي لقراراته.
بعيداً عن الحسابات الشخصية، يمثل لبنان عقدة استراتيجية حقيقية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي لم تعد تراه مجرد جار مزعج. فقد نجحت المقاومة اللبنانية في فرض معادلة ردع جعلت أي مواجهة عسكرية شاملة مغامرة غير مضمونة النتائج للاحتلال.
تكمن المعضلة الكبرى للاحتلال في تآكل صورة التفوق المطلق التي بنيت عليها الدعاية الصهيونية لعقود طويلة. لذا يسعى نتنياهو لاستعادة هذه الهيبة عبر الضربات المكثفة والاغتيالات والتلويح بحرب واسعة لكسر ميزان الردع القائم حالياً.
يحمل التصعيد أبعاداً إقليمية تتجاوز الحدود الجغرافية للبنان، حيث تدرك مصادر سياسية أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكل أمني واسع. ويمثل النفوذ الإيراني الممتد تحدياً حقيقياً للمشروع الإسرائيلي، مما يجعل لبنان ساحة صراع كبرى على النفوذ والخرائط.
ينظر نتنياهو إلى الجنوب اللبناني كبوابة لمعركة أوسع تتعلق بمستقبل الشرق الأوسط وتوازناته الاستراتيجية. ومن هنا، يرسل العدوان رسائل متعددة للداخل الإسرائيلي ولإيران وللولايات المتحدة، مفادها أن إسرائيل لا تزال اللاعب القادر على إشعال المنطقة.
يلعب العامل الأمريكي دوراً محورياً في هذا السياق، حيث منح الدعم الغربي غير المحدود حكومة الاحتلال شعوراً بالحصانة من العقاب. وحين يكتفي المجتمع الدولي ببيانات الإدانة الباردة، فإن ذلك يشجع الاحتلال على التمادي في استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين.
يؤكد مراقبون أن الصمت الدولي لم يعد موقفاً سلبياً فحسب، بل أصبح جزءاً من بنية العدوان التي تشرعن القتل والتدمير. وهذا التواطؤ يهدد بتحويل المنطقة إلى حقل مفتوح للفوضى التي قد لا تقف عند حدود مرسومة بعناية من قبل مهندسي الحرب.
التاريخ يؤكد أن الشرق الأوسط حين ينفجر، فإنه لا يفعل ذلك بنصف غضب، والنيران المشتعلة في جنوب لبنان قد تمتد لخرائط أوسع. ورغم هذا المشهد القاتم، يظهر لبنان قدرة استثنائية على الصمود في وجه الركام والدمار المستمر.
الصراع مع لبنان يظل مختلفاً بالنسبة للاحتلال لأنه مواجهة مع فكرة الرفض والمقاومة وليس مجرد نزاع على حدود جغرافية. ويدرك نتنياهو أن بقاء التوازن الحالي يعني بداية أفول مشروعه الذي يحاول تكريسه بالقوة العسكرية الغاشمة.
يقف الشرق الأوسط اليوم أمام تساؤلات مخيفة حول طبيعة التصعيد الجاري وما إذا كان مقدمة لحرب كبرى تعيد رسم المنطقة بالدم. وفي نهاية المطاف، يبقى المدنيون هم الطرف الوحيد الذي يدفع ثمن طموحات الساسة وخطابات القوة فوق أنقاض المدن.
المصدر:
القدس