آخر الأخبار

كتاب سلمى خضراء الجيوسي: الاتجاهات والحركات في الشعر العربي

شارك

عادت إلى رفوف المكتبات العربية طبعة جديدة من كتاب 'الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث'، للناقدة والباحثة الفلسطينية الراحلة سلمى خضراء الجيوسي. ويُصنف هذا العمل كواحد من أكثر الكتب تأثيراً في مسار الدراسات الأدبية، حيث شكل منذ صدوره الأول مرجعاً لا يمكن تجاوزه لفهم تطور القصيدة العربية.

لا تأتي هذه الطبعة بوصفها مجرد إعادة نشر ميكانيكية، بل هي استعادة لعمل نقدي نقل دراسة الشعر من حيز الانطباع الذاتي إلى فضاء التحليل البنيوي والتاريخي المتكامل. وقد نجحت الجيوسي في تقديم رؤية شاملة تتعامل مع الشعر كحركة ديناميكية تتفاعل مع التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة.

يتناول الكتاب الشعر العربي بوصفه سيرورة فنية وفكرية تشكلت عبر عقود، بدءاً من عصر النهضة وصولاً إلى ما بعد الحداثة. وتبرز أهمية هذا الإصدار في إعادة فتح سؤال المنهج داخل أروقة النقد العربي، وكيفية قراءة النصوص بعيداً عن التقسيمات المدرسية التقليدية الصارمة.

انشغلت الجيوسي في مشروعها بإعادة بناء خريطة الشعر العربي، معتبرة إياه مجالاً حياً تتقاطع فيه التجربة الجمالية مع الوعي التاريخي للإنسان العربي. وقد منحت الطبعة الجديدة فرصة للباحثين لاستكشاف التحليل المقارن الذي وضع الشعر المحلي في حوار مفتوح مع التيارات العالمية.

يُظهر الكتاب قيمة إضافية تتمثل في قدرة المؤلفة على تتبع تطور القصيدة دون أن تفقد خصوصيتها الثقافية أو حساسيتها التاريخية. وبذلك، اكتسب العمل مكانته كجسر معرفي يربط بين التجربة الشعرية العربية ونظيراتها في الأدب العالمي، مما عزز حضور الأدب العربي أكاديمياً.

تمثل عودة هذا الكتاب لحظة مراجعة ضرورية لمفاهيم هيمنت لسنوات طويلة، مثل 'الشعر الحر' و'التيارات التجديدية'. فالجيوسي لا تتعامل مع هذه المصطلحات كقوالب جاهزة، بل كتحولات متداخلة تتشكل داخل سياقات اجتماعية وفكرية معقدة ومركبة.

تعتبر سلمى خضراء الجيوسي، المولودة في مدينة صفد الفلسطينية عام 1926، من أبرز الأسماء التي أسست لحقل الدراسات الأدبية الحديثة. وقد عكس ارتباطها بوطنها فلسطين عمقاً في رؤيتها النقدية التي مزجت بين الحس التاريخي والجماليات الفنية في آن واحد.

سلمى خضراء الجيوسي لم تتعامل مع الشعر بوصفه نصوصاً منفصلة، بل بوصفه تعبيراً عن وعي جمعي وتحولات حضارية كبرى.

تلقّت الجيوسي تعليمها في جامعات غربية، مما أتاح لها تكويناً أكاديمياً مزدوجاً جمع بين المناهج النقدية الحديثة والتقاليد الأدبية العربية العريقة. هذا المزيج منح كتاباتها صرامة علمية وانفتاحاً منهجياً جعلها تتصدر المشهد النقدي العربي لعدة عقود متتالية.

لم تكتفِ الراحلة بالتنظير، بل اضطلعت بدور محوري في التعريف بالأدب العربي عالمياً من خلال مشاريع ترجمة ومختارات أدبية رصينة. وقد أسهمت هذه الجهود في ترسيخ حضور النتاج الإبداعي العربي في الجامعات الدولية بعيداً عن التبسيط أو الصور النمطية السطحية.

عند المقارنة بين الجيوسي والشاعرة العراقية نازك الملائكة، نجد تكاملاً فريداً في مسار الحداثة الأدبية العربية. فبينما كانت الملائكة رائدة في كسر البنية التقليدية للقصيدة، كانت الجيوسي هي من فككت هذه الحركة ورسمت خرائطها الفكرية والتاريخية.

اشتغلت الملائكة من داخل النص الشعري كشاعرة ومنظرة لتجربتها، بينما اتخذت الجيوسي موقعاً خارجياً كمؤرخة تسعى لفهم كيفية تشكل الحداثة. هذا الاختلاف في المواقع أثرى المشهد الثقافي، حيث قدمت كل منهما زاوية مختلفة لقراءة التحول الشعري الكبير.

يلتقي الاسمان في نقطة مركزية وهي كسر الجمود الكلاسيكي، حيث فعلت نازك ذلك عبر الإبداع، والجيوسي عبر إعادة قراءة التاريخ. كما أسهمت كلاهما في إعادة تعريف موقع المرأة في المشهد الأدبي، سواء كصوت إبداعي مؤسس أو كناقدة تمتلك أدوات المنهج العلمي.

إن إعادة إصدار هذا الكتاب لا تبدو حدثاً نشرّياً عادياً، بل هي دعوة لإعادة فتح نقاش لم يحسم بعد حول حدود التحول في الشعر العربي. وهي فرصة للجيل الجديد من الباحثين للنظر في تاريخهم الأدبي من منظور أكثر تركيباً وعمقاً يعترف بتعدد الأصوات.

ختاماً، يظل مشروع سلمى خضراء الجيوسي علامة فارقة في تحويل الناقد من مجرد قارئ للنصوص إلى مؤرخ للوعي الجمالي العربي. ويبقى كتابها 'الاتجاهات والحركات' قادراً على إضاءة أسئلة الراهن الشعري، متجاوزاً كونه مجرد توثيق لمرحلة تاريخية مضت.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا