تتصاعد مأساة النازحين في مخيم الجندي المجهول بقلب مدينة غزة، حيث تحولت الملابس البالية وأكواب الورق المستعملة وكراتين المحلات التجارية إلى الوقود الوحيد المتاح لتشغيل أفران الخبز. يأتي هذا التحول القسري في ظل انعدام شبه كامل لغاز الطهي والحطب، مما يجسد عمق الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع الذين فقدوا أدنى مقومات الحياة الكريمة.
وأفادت مصادر ميدانية بأن المتطوع محمد رائد يقضي نحو ست ساعات يومياً أمام لهيب الفرن المشتعل بما يجمعه من أقمشة ممزقة، ليتمكن من توفير الخبز لما يقارب 15 عائلة يومياً. ورغم كونه رب أسرة مكونة من ستة أفراد، إلا أنه يرفض تقاضي أي مقابل مادي لقاء عمله، محاولاً سد الفجوة الكبيرة التي خلفها شح الإمدادات الرسمية في المخيم.
وتشير الأرقام إلى ارتفاع جنوني في أسعار البدائل التقليدية، حيث وصل سعر كيلو الحطب إلى ما بين 11 و13 شيكلاً، وهو مبلغ يعجز عن توفيره معظم سكان المخيم الذين يعانون من فقر مدقع. هذا الارتفاع تزامن مع ندرة الحطب في الأسواق نتيجة استمرار قطع خطوط الإمداد والقيود المفروضة على دخول المواد الأساسية إلى مناطق شمال القطاع.
وفي مشهد يدمي القلوب، يضطر الآباء لإرسال أطفالهم في ساعات الفجر الأولى للبحث عن قطع الكرتون والورق المقوى أمام المحلات وفي أكوام القمامة قبل أن يسبقهم إليها آخرون. ويؤكد رائد أن طفله البالغ من العمر سبع سنوات يشارك يومياً في هذه المهمة الشاقة لتأمين وقود الفرن، في ظل غياب أي بدائل آمنة أو متاحة للطهي.
وتتضاعف المعاناة الصحية نتيجة استنشاق الأدخنة الكثيفة والسامة الناتجة عن احتراق الألياف الصناعية والأقمشة، حيث بدأ المتطوعون وسكان الخيام المجاورة يعانون من آلام حادة في الصدر وضيق تنفس. ويضطر العاملون على الأفران للتوقف عن العمل قبل العصر لتفادي اختناق الجيران، خاصة النساء والأطفال المصابين بالربو والأمراض الصدرية المزمنة.
وعلى صعيد التوزيع، يضم مخيم الجندي المجهول نحو 146 عائلة، إلا أن كميات الخبز التي تصل عبر نقاط التوزيع الرسمية لا تتجاوز في كثير من الأحيان 20 رغيفاً للمخيم بأكمله. هذا الشح الحاد دفع المتطوعين لفتح أفرانهم البديلة لكل من يملك كمية بسيطة من الطحين، حتى لو كانت مستعارة من الجيران، لضمان بقاء العائلات على قيد الحياة.
ويطرح السكان بدائل تقشفية قد تكون أقل ضرراً، مثل إدخال زيت الطهي لاستخدامه كوقود للأفران، حيث تكفي القنينة الواحدة لإنتاج نحو 50 رغيفاً دون انبعاثات خانقة. ومع ذلك، تبقى هذه الحلول مؤقتة ولا تغني عن الحاجة الملحة لإدخال غاز الطهي بشكل منتظم وبكميات كافية تلبي احتياجات مئات آلاف النازحين في مراكز الإيواء.
من جانبها، كشفت الهيئة العامة للبترول عن أرقام صادمة تتعلق بخرق بنود اتفاقات توريد الوقود، حيث لم يدخل إلى القطاع سوى 307 شاحنات غاز منذ مطلع فبراير 2026. ويمثل هذا الرقم نحو 20% فقط من الكمية المتفق عليها والبالغة 1500 شاحنة، مما يفسر استمرار لجوء العائلات الفلسطينية لحرق النفايات والبلاستيك لإعداد وجباتهم اليومية.
المصدر:
القدس