تحول الحق في التنقل لسكان قطاع غزة إلى معضلة إنسانية كبرى، حيث يجد المواطن نفسه عالقاً بين إجراءات الاحتلال الإسرائيلي التعجيزية وشبكات احتيال منظمة. هذه الشبكات تستغل رغبة السكان في النجاة من الواقع الصعب عبر إعلانات ممولة تروج لخدمات هجرة وهمية على منصات التواصل الاجتماعي.
وأفادت مصادر ميدانية بأن الاحتلال يتبنى سياسات مزدوجة تهدف في جوهرها إلى دفع أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين نحو التهجير القسري. وفي الوقت ذاته، تنشط مؤسسات مجهولة الهوية تدعي القدرة على تسهيل إجراءات المغادرة مقابل مبالغ مالية باهظة، مستغلة حالة اليأس السائدة.
وروى أحد المواطنين تجربته المريرة مع هذه الجهات، موضحاً أنه بدأ البحث عن وسيلة رسمية للسفر عبر الإنترنت قبل أن يصطدم بمؤسسات تفتقر لأي عناوين واضحة أو أرقام تواصل موثوقة. وأشار إلى أن الغموض يلف آلية عمل هذه المكاتب التي تعتمد مسارات غير معلنة تثير الريبة والقلق.
وعلى الرغم من حصول البعض على موافقات مبدئية، إلا أن الكثيرين يتراجعون في اللحظات الأخيرة بسبب التكاليف المرتفعة جداً وضبابية الإجراءات. هذا الواقع يترك آلاف العائلات في حالة من الترقب والانتظار دون وجود أفق واضح لتأمين خروج آمن وقانوني من القطاع المحاصر.
وفي سياق متصل، برزت جهات مشبوهة تحاول انتحال صفة منظمات دولية مرموقة لمنح عملياتها صبغة شرعية زائفة. وقد حذرت مصادر حقوقية من الانسياق وراء هذه الادعاءات التي تهدف فقط لابتزاز المواطنين وسلب مدخراتهم تحت مسمى تسهيل الهجرة أو اللجوء.
من جانبها، نفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشكل قاطع أي صلة لها بهذه الأنشطة أو بوسطاء ينظمون رحلات السفر من غزة. وأكدت اللجنة في بيان رسمي أنها رصدت حالات احتيال متعددة استخدمت اسمها وشعارها لتضليل الراغبين في مغادرة القطاع، داعية الجميع لتوخي الحذر.
ويؤكد الصحفي محمد الشبات، المتابع لهذا الملف أن هناك شبكات منظمة تدعي تقديم استشارات قانونية وبرامج هجرة دولية متخصصة. وتبين لاحقاً أن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة، وأن القائمين عليها لا يملكون أي صفة رسمية تخولهم القيام بهذه المهام الحساسة.
ميدانياً، لا يزال معبرا رفح وكرم أبو سالم هما المنفذين الوحيدين للقطاع، وكلاهما يخضع لرقابة أمنية إسرائيلية صارمة تتحكم في حركة الأفراد والبضائع. هذا التحكم المطلق يجعل من عملية الخروج مرتبطة بمزاجية الاحتلال ومعاييره الأمنية المعقدة التي تزيد من معاناة العالقين.
وتشير البيانات الرسمية إلى وجود قوائم انتظار طويلة تضم أكثر من 20 ألف مريض يحتاجون لتدخلات طبية عاجلة خارج القطاع. وبالإضافة إلى المرضى، هناك آلاف الطلاب وحملة الإقامات الأجنبية الذين تتعطل مصالحهم ومستقبلهم بسبب استمرار إغلاق المعابر أو تقييد الحركة عبرها.
ويرى باحثون ومختصون أن إسرائيل تستخدم ملف السفر كأداة للضغط السياسي والعقاب الجماعي ضد سكان غزة منذ سنوات طويلة. إن استمرار هذا الوضع يساهم في تفاقم الأزمات الإنسانية ويفتح الباب واسعاً أمام الأسواق الموازية التي تقتات على أوجاع الناس وحاجتهم الماسة للحرية.
المصدر:
القدس