يجسد المسعف الفلسطيني بشار القريوتي نموذجاً حياً للتضحية في سبيل الواجب الإنساني والوطني، حيث يواصل عمله التطوعي في خدمات الإسعاف والطوارئ بمناطق الضفة الغربية المحتلة منذ ما يزيد عن عشرين عاماً. لم تكن هذه السنوات مجرد أرقام، بل كانت سلسلة من المواجهات المباشرة مع الخطر المحدق، حيث تعرض خلالها لإصابات جسدية متعددة وتهديدات صريحة بالقتل من قبل المستوطنين.
يروي القريوتي أن التحول الجذري في مسيرته المهنية والوجدانية وقع حينما ارتقى رفيقه وزميل دربه المسعف محمد عوض الله موسى، البالغ من العمر 52 عاماً، شهيداً وهو يؤدي واجبه بجانبه. هذا الفقد لم يثنِ بشار عن مواصلة طريقه، بل زاده إصراراً على إكمال الرسالة التي بدأها مع صديقه، مؤكداً أن طيف رفيقه يرافقه في كل مرة يفتح فيها باب سيارة الإسعاف لإنقاذ جريح جديد.
تتجاوز مهمة القريوتي حدود تقديم الإسعافات الأولية، فهو يرى في عمله واجباً وطنياً لحماية أبناء شعبه من اعتداءات المستوطنين المتكررة. ويصف الواقع المرير الذي تعيشه العائلات الفلسطينية في القرى المحاطة بالبؤر الاستيطانية، حيث تحول الاستيطان إلى كابوس يومي يهدد حياة المواطنين عبر إطلاق الرصاص الحي والمضايقات المستمرة التي لا تتوقف.
خلال جولاته الميدانية، يتوقف القريوتي عند مدرسة جالود التي تمثل شاهداً حياً على استهداف المنشآت التعليمية، حيث تعرضت للحرق والتخريب أكثر من مرة على يد المستوطنين. ويؤكد أن بقاء هذه المدرسة واستمرار العملية التعليمية فيها يعد قصة صمود أسطورية وتحدياً واضحاً لسياسات التوسع الاستيطاني التي تهدف إلى تهجير السكان من أراضيهم.
لا يكتفي بشار بحمل حقيبة الإسعاف والمعدات الطبية، بل يحرص دائماً على اصطحاب كاميرته الخاصة لتوثيق كل اعتداء يشهده في الميدان. وبحكم كونه من أوائل الواصلين إلى مسرح الأحداث، يدرك القريوتي أهمية الصورة في فضح الجرائم أمام المجتمع الدولي، معتبراً أن التوثيق هو السلاح الثاني الذي يمتلكه بجانب مهاراته في الإنقاذ.
يشدد المسعف المتطوع على أن أولويته القصوى تظل دائماً إنقاذ الأرواح البشرية وتقديم الرعاية الطبية العاجلة للمصابين في أصعب الظروف. ومع ذلك، يرى أن نقل الحقيقة للعالم عبر عدسته لا يقل أهمية عن تضميد الجراح، فكلاهما يخدم قضية الشعب الفلسطيني ويسلط الضوء على معاناته اليومية تحت وطأة الاحتلال.
في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي يمر بها الشعب الفلسطيني، يبرز الجانب الإنساني للقريوتي بشكل جلي، حيث يقدم خدماته الإسعافية ونقل الحالات المرضية دون تقاضي أي مقابل مادي. ويؤكد أن الكثير من العائلات لا تملك القدرة على تحمل تكاليف النقل، مما يدفعه للتطوع بوقته وجهده وسيارته لتخفيف الأعباء عن كاهل أهلنا في الضفة.
يختتم القريوتي حديثه بالتأكيد على ثباته في هذه المسيرة الإنسانية والوطنية مهما بلغت التضحيات، واعداً بمواصلة العمل حتى الرمق الأخير. إن قصته ليست مجرد حكاية مسعف، بل هي انعكاس لإرادة الفلسطيني الذي يصر على البقاء وخدمة مجتمعه في وجه آلة الحرب والتحريض الاستيطاني المستمر.
المصدر:
القدس