تشهد الأزقة المدمرة في المناطق الشرقية لمخيم المغازي وسط قطاع غزة فصلاً جديداً من فصول الترويع، حيث أفادت مصادر محلية ببروز مجموعات مسلحة تعمل بتنسيق مباشر مع قوات الاحتلال الإسرائيلي. هذه المجموعات، التي اتخذت من المنازل المهجورة مقاراً سرية لها، بدأت بممارسة عمليات ملاحقة وتحقيقات ميدانية بحق السكان الذين رفضوا النزوح من أحيائهم المنكوبة.
بدأت ملامح هذا التغلغل الأمني في السابع من نيسان/ أبريل الماضي، حين حاولت مليشيا يقودها المدعو شوقي أبو نصيرة التمركز في عمق المناطق السكنية شرق المخيم. وقد واجه الأهالي هذا التوغل بمحاولات سلمية لمنع المسلحين من دخول بيوتهم، إلا أن المواجهة تحولت سريعاً إلى مجزرة دامية أسفرت عن مقتل 12 مواطناً خلال ساعات قليلة.
ورغم الانسحاب المؤقت لتلك المجموعات عقب الحادثة، إلا أنها عادت للتسلل مجدداً فجر يوم وقفة عرفة، مستغلة هدوء المنطقة لتنفيذ عمليات دهم واختطاف واسعة. وأكد شهود عيان أن المسلحين تحصنوا داخل منزل المواطن إياد عبد الجواد، محولين إياه إلى مركز مغلق للاحتجاز والتعذيب بعيداً عن الرقابة القانونية أو الأهلية.
في مشهد يعكس حجم التنسيق الأمني، اقتحمت مجموعة مسلحة منزل المسن عبد الرحمن الشنطي، حيث أُجبر تحت تهديد السلاح على إجراء مكالمة هاتفية مع ضابط مخابرات إسرائيلي. وخلال الاتصال، جرى استجوابه حول بياناته الشخصية وتفاصيل عمله السابق، قبل أن يُؤمر بالبقاء حبيس منزله وإغلاق هاتفه لساعات تحت مراقبة مشددة.
ولم تتوقف الانتهاكات عند الاستجواب، بل امتدت لتشمل عمليات اختطاف عنيفة، حيث داهمت المليشيات منزل عائلة عبد الله البشيتي واقتادت أبناءه الثلاثة بالقوة. وأفاد الجيران بأن المسلحين وجهوا تهديدات صريحة لوالد الشبان، مؤكدين له أن لقاءه بابنه صالح سيكون الأخير، وهو ما تحقق بالفعل بعد ساعات قليلة من الاختطاف.
عقب انسحاب القوة المسلحة من المنطقة، عثر الأهالي على جثمان الشاب صالح البشيتي داخل أحد المنازل المهجورة وهو يحمل آثار تعذيب وحشية. وبحسب الإفادات، فقد وُجد الشاب مشنوقاً بقطعة قماش ومصاباً بعيارات نارية في أنحاء جسده، في جريمة إعدام ميدانية هزت أركان المخيم الذي يعاني أصلاً من ويلات القصف المستمر.
وفي سياق متصل، وثقت مصادر ميدانية حالات من الإذلال المتعمد مارستها هذه المجموعات بحق العائلات المحاصرة، كما حدث مع عائلة أبو شحادة. حيث قام أحد المسلحين بإشهار سلاحه في وجه رب الأسرة، وأجبره على كسر صيامه في يوم عرفة وتدخين سيجارة تحت التهديد، في محاولة لفرض السيطرة المطلقة وكسر إرادة السكان.
كان من بين ضحايا القصف الشاب يوسف المغاري وابن عمه فادي، في فاجعة أضافت مزيداً من الألم لسكان الحي. يوسف، الذي كان يلقب بـ 'العريس القادم' بعد زفاف شقيقه قبل أسابيع، لم يمهله الموت طويلاً ليحقق حلمه، حيث تحولت صورته على بطاقة الزفاف إلى ملصق نعي يوزع في أزقة المخيم الحزينة.
تثير هذه الأحداث المتلاحقة تساؤلات خطيرة حول دور هذه المجموعات المسلحة التي تتحرك بحرية في مناطق التماس مع قوات الاحتلال. ويرى مراقبون أن تحويل المنازل المدنية إلى مراكز تحقيق وإعدام يمثل خرقاً فاضحاً لكافة الأعراف الوطنية والإنسانية، ويضع حياة الآلاف من المتبقين في غزة على المحك.
يعيش سكان شرق المغازي اليوم حالة من الصمت القسري، حيث يمنع انتشار المسلحين أي محاولة لتوثيق الجرائم بشكل كامل أو الوصول إلى المختطفين الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً. فالخوف من 'الرصاصة الجاهزة' التي يهدد بها عناصر المليشيات بات يلاحق كل من يحاول الاعتراض على انتهاك حرمة المنازل.
إن الشهادات المتقاطعة التي جمعتها مصادر صحفية تؤكد أن ما يجري ليس مجرد حوادث فردية، بل هو نهج منظم يهدف إلى ترهيب الحاضنة الشعبية وتسهيل مهام الاحتلال. وتظل قصص التعذيب داخل الغرف المغلقة في المنازل المهجورة شاهداً على مرحلة هي الأكثر تعقيداً في تاريخ الصراع الميداني داخل القطاع.
ومع استمرار غياب الرقابة القانونية، يطالب الأهالي بضرورة تدخل الجهات المعنية لوقف تغول هذه المليشيات وحماية المدنيين من الإعدامات الميدانية. فالمخيم الذي صمد أمام آلة الحرب العسكرية، يجد نفسه اليوم في مواجهة طعنات داخلية تنفذها أيدٍ ارتضت العمل كأدوات في يد المخابرات الإسرائيلية.
تبقى مأساة عائلات البشيتي والمغاري وأبو شحادة مجرد نماذج لما يحدث في الظلام بعيداً عن عدسات الكاميرات. ومع كل فجر جديد، يخشى سكان المغازي من عودة السلالم الحديدية والوجوه الملثمة التي لا تجلب معها سوى الموت والتحقيق والإذلال، في ظل حرب إبادة لا تفرق بين قصف جوي وإعدام ميداني.
المصدر:
القدس