آخر الأخبار

مسيّرات الألياف الضوئية لحزب الله: تحدي الهيمنة الإلكترونية

شارك

أكد تقرير صادر عن المركز الفلسطيني للشؤون الإسرائيلية (مدار) أن مسيرات حزب الله الموجهة عبر الألياف الضوئية باتت تمثل تحدياً استراتيجياً يتجاوز حجمها التقني المحدود. وأوضح التقرير أن أهمية هذه المسيرات تكمن في قدرتها على كشف ثغرات في منظومة التفوق العسكري الإسرائيلي التي تراكمت على مدار عقود، خاصة في مجالات الحرب الإلكترونية.

تعتمد هذه المسيرات في توجيهها على سلك مادي من الألياف الضوئية، مما يجعلها محصنة تماماً ضد عمليات التشويش الكهرومغناطيسي التي تبرع فيها الوحدة 8200 الإسرائيلية. وبحسب مصادر بحثية، فإن هذا النمط من السلاح يجبر قوات الاحتلال على القتال في بيئة غير مريحة تفتقر لغطاء الحماية الإلكترونية المعتاد.

وأشار التقرير إلى أن الخطورة تكمن أيضاً في تقليص زمن الإنذار المبكر إلى مستويات حرجة، حيث تحلق هذه الطائرات على ارتفاعات منخفضة جداً وتقترب من أهدافها بسرعة فائقة. هذا الأمر يفرض على الجنود في الميدان اتخاذ قرارات دفاعية في غضون ثوانٍ معدودة، وغالباً ما تكون هذه الاستجابات غير فعالة أمام دقة الإصابة.

من الناحية الاقتصادية، تبرز فجوة هائلة بين تكلفة الهجوم وتكلفة الدفاع، إذ لا يتجاوز سعر بكرة الألياف الضوئية لمدى 10 كيلومترات مبلغ 300 دولار عبر المنصات التجارية. وفي المقابل، تتكبد إسرائيل مبالغ طائلة لتطوير أنظمة اعتراض أو تشويش، وهو ما يكرس استراتيجية 'الاستنزاف الذكي' التي ينتهجها حزب الله في جنوب لبنان.

تاريخياً، استلهمت هذه التقنية فاعليتها من دروس الحرب الروسية الأوكرانية، حيث أثبتت المسيرات الرخيصة قدرتها على شل حركة جيوش نظامية كبرى. وقد انتقلت هذه الخبرة إلى مقاتلي حزب الله الذين طوروا استخدامها لتصبح أداة الضغط المركزية على القوات المتوغلة في المناطق الحدودية المعروفة بـ 'الخط الأصفر'.

ويرى محللون أن هذه المسيرات لا تهدف فقط لإحداث دمار مادي، بل تسعى لإنتاج أثر نفسي وعملياتي يربك منظومة الحماية الميدانية الإسرائيلية بالكامل. فكل حركة عسكرية إسرائيلية أصبحت الآن عرضة لهجوم مفاجئ لا يمكن التنبؤ به عبر الرادارات التقليدية أو وسائل الاستشعار اللاسلكية.

التقرير لفت أيضاً إلى أن هذا السلاح التكتيكي قد يجبر الجيش الإسرائيلي على إعادة النظر في طريقة تمركزه وحركته داخل الأراضي اللبنانية. فالعجز عن إيجاد حلول تقنية فورية لمواجهة 'سلك الألياف' يجعل من البقاء في المواقع المتقدمة عبئاً بشرياً واقتصادياً ثقيلاً لا يمكن تحمله لفترات طويلة.

هذه المسيرات تجبر الجيش الإسرائيلي على العمل خارج شروطه المريحة: خارج مجال التشويش، وخارج زمن الإنذار الكافي.

ولا يتوقف القلق الإسرائيلي عند حدود جبهة الشمال، بل يمتد إلى إمكانية انتقال هذه التكنولوجيا إلى فصائل المقاومة في قطاع غزة والضفة الغربية. فالبساطة التقنية وسهولة التعديل المحلي تجعل من هذه المسيرات سلاحاً مثالياً في بيئات الاحتكاك القريب والمناطق المكتظة.

وقد حذر معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب من أن المسيرات الانتحارية الصغيرة بدأت بالفعل في الدخول إلى ساحات المواجهة مع الفلسطينيين منذ مطلع عام 2024. واعتبر المعهد أن استخدام حماس لمسيرات تسقط ذخائر فوق الدبابات في السابع من أكتوبر كان مجرد بداية لتحول أعمق في أدوات الصراع.

وفي الضفة الغربية، تكتسب هذه المسيرات حساسية مضاعفة نظراً لقصر المسافات بين المستوطنات والبلدات الفلسطينية، مما يجعل أي تطور في هذا المنحنى 'جرس إنذار' حقيقي. الحادثة التي وقعت في مستوطنة 'يتسهار' مطلع عام 2025، حيث سقطت مسيرة رباعية المحركات، عززت المخاوف من امتلاك الخلايا المحلية لقدرات تصنيع وتوجيه متقدمة.

إن نجاح نموذج 'الألياف الضوئية' في لبنان يمنح التنظيمات الفلسطينية درساً عملياتياً في كيفية تجاوز أنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات بأدوات بدائية. وهذا التكيف مع الساحات المختلفة يمثل جوهر المشكلة الأمنية التي تواجهها إسرائيل، حيث يبدو أن الحلول التقنية المعقدة لم تعد كافية لمواجهة ابتكارات 'الأسلحة الرخيصة'.

وتشير القراءات الإسرائيلية إلى أن الدعم المعرفي والتكنولوجي القادم من إيران ساهم بشكل كبير في تسريع وتيرة تعلم حزب الله وتطويره لهذه المنظومات. المقارنة التي يجريها البعض بين هذه المسيرات وصواريخ 'الكورنيت' في حرب 2006 تعكس حجم الأثر الميداني المتوقع لهذا السلاح في أي مواجهة مستقبلية.

في نهاية المطاف، يبدو أن البحث الإسرائيلي يتجاوز الآن مجرد إسقاط مسيرة هنا أو هناك، ليصل إلى محاولة بناء منظومة دفاعية شاملة قادرة على حماية الثكنات والآليات. ومع استمرار غياب هذه الحلول، تظل مسيرات الألياف الضوئية 'ثقباً أسود' في استراتيجية الدفاع الإسرائيلية، تبتلع موارد الجيش وتستنزف معنويات جنوده.

إن استمرار استخدام هذا النوع من المسيرات بكثافة مؤخراً يعكس إدراكاً من حزب الله لنقاط الضعف في التكنولوجيا الإسرائيلية المعتمدة على الإشارات اللاسلكية. وبذلك، تتحول هذه الأداة الصغيرة إلى عنصر حاسم في تقييد حركة الجيش الإسرائيلي ومنعه من فرض شروطه الميدانية في جنوب لبنان.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا