أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي تحذيرات عاجلة وشاملة لكافة سكان المناطق الواقعة في جنوب لبنان، مطالباً إياهم بإخلاء منازلهم والتوجه فوراً نحو شمال نهر الزهراني باتجاه مدينة صيدا. وجاء في بيان رسمي للاحتلال أن كافة الأراضي والمناطق الواقعة جنوب هذا النهر باتت تُصنف قانونياً وعسكرياً كـ 'منطقة قتال' نشطة، مما ينذر بمرحلة جديدة من التصعيد الميداني.
وتزامنت هذه الأوامر مع تسريبات من داخل المؤسسة السياسية في تل أبيب، أكدت وجود مشاورات مكثفة جرت بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس. وقد خلصت هذه المداولات إلى ضرورة بحث توسيع نطاق العمليات العسكرية البرية والجوية داخل العمق اللبناني، بما يتجاوز الخطوط التي رُسمت في الأسابيع الماضية.
وأفادت مصادر ميدانية بأن هذه التوجيهات أحدثت حالة من الصدمة والقلق البالغ بين السكان المحليين، حيث اعتبرها مراقبون محاولة لتهجير قسري واسع النطاق. وتستهدف هذه الأوامر إفراغ ما يقرب من 307 بلدات وقرى جنوبية من قاطنيها، مما يحول المنطقة الحدودية والعمق الجنوبي إلى ساحة مواجهة مفتوحة وخالية من المدنيين.
وتشير المعطيات على الأرض إلى أن الاحتلال بدأ بالفعل في تحريك آلياته العسكرية في محاور متعددة شمال 'الخط الأزرق'، في خطوة تعكس رغبة في فرض واقع جغرافي جديد. وتثير هذه التحركات تساؤلات ملحة حول قدرة آلاف النازحين على العثور على مأوى آمن في ظل الضغط العسكري المتزايد والقصف المستمر الذي يطال طرق الإمداد والنزوح.
وفي ظل هذا التدهور المتسارع، يترقب الشارع اللبناني موقفاً رسمياً حاسماً من الحكومة اللبنانية التي لم تصدر بياناً يوازي حجم التهديدات الأخيرة. ومع ذلك، كشفت مصادر عن توجه وفد من ضباط الجيش اللبناني إلى واشنطن للمشاركة في اجتماع أمني في مقر البنتاغون، يهدف إلى مناقشة التطورات الأمنية الخطيرة وسبل التعامل مع التصعيد الإسرائيلي.
ويرى محللون أن الأوامر الإسرائيلية الأخيرة تمثل إعلاناً صريحاً لعودة الحرب الشاملة على لبنان، مدعومة بما يبدو أنه ضوء أخضر من الإدارة الأمريكية لتجاوز التفاهمات السابقة. ويبدو أن الاحتلال يسعى لتوسيع ما يسمى بـ 'المنطقة الأمنية' لتشمل مساحات أوسع في الجنوب والبقاع، مستغلاً الظروف الإقليمية والدولية الراهنة لفرض شروطه.
وتشير التقارير إلى أن سلطات الاحتلال لا تولي اهتماماً كبيراً للمسارات التفاوضية الجارية حالياً، بل تركز جهودها على تحقيق إنجازات عسكرية ملموسة على الأرض. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى الضغط على الحكومة اللبنانية عبر سلاح التهجير الجماعي وتدمير البنية التحتية في المدن والقرى الجنوبية لتحويلها إلى ركام غير قابل للحياة.
ويواجه سكان الجنوب اللبناني تحديات إنسانية هائلة، حيث يضطرون لترك ممتلكاتهم وتاريخهم خلفهم تحت وطأة التهديد المباشر بالقتل. وتتحول القرى التي كانت تنبض بالحياة إلى مناطق مهجورة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تطول أمد هذه العمليات العسكرية لتتحول إلى احتلال دائم لبعض المناطق الحدودية.
ميدانياً، تواصل الطائرات والمدفعية الإسرائيلية استهداف مواقع مختلفة في الجنوب، مما يعقد عمليات الإخلاء ويجعل من حركة المدنيين مخاطرة محفوفة بالموت. وتؤكد مصادر محلية أن القصف لم يعد يقتصر على أهداف عسكرية مفترضة، بل بات يشمل محيط مراكز الإيواء والطرق الرئيسية التي يسلكها النازحون نحو الشمال.
إن هذا التصعيد الجديد يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته لوقف نزيف الدماء ومنع تحول جنوب لبنان إلى غزة ثانية من حيث حجم الدمار والتهجير. ومع استمرار الاحتلال في تجاهل التحذيرات الدولية، يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، بما في ذلك اندلاع مواجهة إقليمية أوسع تتجاوز الحدود اللبنانية.
المصدر:
القدس