آخر الأخبار

عيد الأضحى في فلسطين: قصص عائلات الشهداء في غزة والضفة

شارك

يحل عيد الأضحى المبارك هذا العام على الأراضي الفلسطينية حاملاً معه جروحاً غائرة لا تندمل، حيث تتوحد المشاعر بين قطاع غزة والضفة الغربية في استقبال هذه المناسبة بغياب ثقيل للأبناء الذين ارتقوا برصاص الاحتلال. وبينما تصدح التكبيرات في المآذن، تخيم أجواء من الحزن الصامت على بيوت الشهداء التي فقدت روحها وضحكات أبنائها بفعل آلة الحرب الإسرائيلية المستمرة.

في معسكر جباليا للاجئين شمال قطاع غزة، تعيش عائلة الشهيد الطفل عبد الله دوّاس تفاصيل فقد مؤلمة، حيث كان الصغير يملأ البيت حيوية ونشاطاً قبل أن تغتاله رصاصات الاحتلال. تروي والدته ياسمين كيف تحول لهوه البريء قرب منزلهم إلى مأساة في غضون خمس دقائق فقط، حين اخترقت رصاصة رأسه لينهي رحلة قصيرة من الحياة لم تتجاوز عشر سنوات.

تتذكر الأم المكلومة كيف كانت تحث طفلها على اللعب في ذلك اليوم المشؤوم، رغم مخاوف والده من القرب مما يسمى 'الخط الأصفر' الذي تفرضه قوات الاحتلال كمنطقة خطر. لم تكن تعلم أن تلك الكلمات ستكون الوداع الأخير، وأن صراخ الجيران سيعلن نهاية حلم طفل كان ينتظر العيد ليرتدي ملابسه الجديدة التي اشتراها والداه بصعوبة.

مكث عبد الله في العناية المركزة لأحد عشر يوماً، كانت خلالها والدته تتوسل للأطباء لمنحها ولو بصيصاً من الأمل في نجاته، لكن الرصاصة كانت قد حسمت المصير. ومع ارتقائه شهيداً، تحولت ملابس العيد التي ارتداها في الفطر الماضي إلى أمانة غالية تحتفظ بها الأم في حقيبة خاصة، معتبرة إياها الشاهد الوحيد على فرحة لم تكتمل.

وعلى الجانب الآخر من الوطن الجريح، وتحديداً في مخيم قلنديا شمال القدس المحتلة، لا يختلف مشهد الوجع كثيراً في منزل الشهيد مصطفى حمد. الشاب الذي كان يبلغ من العمر 22 عاماً، ارتقى برصاص الاحتلال خلال اقتحام المخيم في مارس الماضي، تاركاً خلفه أماً ترفض الاعتراف بقدوم العيد في ظل غيابه القسري.

تقول سحر، والدة مصطفى، إنها لم تعد قادرة على شراء ملابس العيد أو حتى التفكير في مظاهر الفرح، فابنها الذي كان يملأ البيت بضحكته صار تحت التراب. وتستذكر بحسرة كيف كان مصطفى يحرص في الأعياد السابقة على زيارة كافة أقاربه وصلة أرحامه، وكأنه كان يودع الجميع قبل رحيله الأبدي الذي صدم كل محبيه في المخيم.

كان مصطفى معروفاً بحنانه الكبير، خاصة تجاه ابنتي شقيقته اللتين قضى معهما ساعاته الأخيرة في نزهة قصيرة قبل أن تباغته رصاصات الغدر الإسرائيلية. واليوم، تقرر والدته أن تكتفي بشراء كعك العيد جاهزاً لتوزيعه عن روحه، داعية الله أن يتقبله في الشهداء ويجمعها به في جنات النعيم، مؤكدة أن الرضا بقضاء الله هو سلاحها الوحيد.

كان عبد الله فاكهة البيت، رحل وبقيت ملابسه موضبة تنتظر عيداً لن يأتي به.

هذه القصص الفردية ليست سوى عينة بسيطة من واقع مرير يعيشه آلاف الفلسطينيين، حيث تشير الإحصائيات الرسمية إلى استشهاد نحو 73 ألف مواطن في قطاع غزة منذ بدء العدوان. يضاف إليهم أكثر من ألف شهيد في الضفة الغربية، مما جعل الفقد سمة عامة تشترك فيها معظم العائلات الفلسطينية التي باتت تستقبل الأعياد في المقابر بدلاً من المتنزهات.

ويأتي هذا العيد في ظل ظروف قاسية يعيشها سكان القطاع، حيث يُحرمون من أداء فريضة الحج بسبب إغلاق المعابر والتحكم الصارم في حركة المسافرين من قبل سلطات الاحتلال. هذا الحصار المطبق لم يكتفِ بخنق الأحياء، بل امتد ليحرم العائلات من أبسط حقوقها الإنسانية والدينية في ممارسة شعائرها والتواصل مع العالم الخارجي.

وفي مخيم قلنديا وحده، تشير البيانات إلى ارتقاء 11 شهيداً منذ اندلاع حرب الإبادة الأخيرة، ليرتفع عدد شهداء المخيم منذ عام 1967 إلى 102 شهيداً. هذا النزيف المستمر في الأرواح يعكس سياسة الاستهداف الممنهج التي يتبعها الاحتلال ضد المخيمات الفلسطينية، التي تظل قلاعاً للصمود والمقاومة رغم كل محاولات الكسر والتهجير.

ورغم الحديث الدولي المتكرر عن مشاريع السلام والهدنة، إلا أن الواقع على الأرض في غزة والضفة يشي باستمرار عمليات الاغتيال واستهداف المنشآت الحيوية. وتؤكد مصادر ميدانية أن الاحتلال يتعمد تصعيد اعتداءاته قبيل المناسبات الدينية، في محاولة لكسر الروح المعنوية للحاضنة الشعبية التي ترفض التنازل عن حقوقها الوطنية المشروعة.

وتواجه العائلات الفلسطينية هذا العام تحديات اقتصادية جمة إلى جانب الوجع النفسي، حيث دمر العدوان سبل العيش والممتلكات، مما جعل توفير مستلزمات العيد عبئاً ثقيلاً. ومع ذلك، يصر الفلسطينيون على إحياء شعائرهم بما تيسر، مؤكدين أن الصمود في وجه المحتل هو أسمى أنواع العبادة في هذه الأيام المباركة.

إن مشهد الأمهات اللواتي يقلبن ملابس أبنائهن الشهداء في غزة والقدس، يختصر حكاية شعب يرفض النسيان ويتمسك بالحياة رغم أنياب الموت. فالعيد في فلسطين لم يعد مجرد مناسبة للبهجة، بل صار محطة لتجديد العهد مع الشهداء، والتأكيد على أن دماءهم هي الوقود الذي ينير طريق الحرية والاستقلال.

وفي الختام، يبقى الفقد هو القاسم المشترك الذي يوحد الجغرافيا الفلسطينية الممزقة بفعل الحواجز والجدران، حيث تلتقي دموع الأمهات في جباليا مع دعوات الآباء في قلنديا. ومع كل تكبيرة عيد، يرسل الفلسطينيون رسالة للعالم بأنهم باقون على أرضهم، وأن غياب الأحبة لن يزيدهم إلا إصراراً على نيل حقوقهم مهما بلغت التضحيات.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا