آخر الأخبار

إغلاق لجان الزكاة في الضفة الغربية: معاناة الفقراء تتفاقم

شارك

تواجه الفئات الأكثر عوزاً في الضفة الغربية واقعاً مريراً مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، جراء تصاعد حملة الاحتلال الإسرائيلي الممنهجة لإغلاق لجان الزكاة والجمعيات الإغاثية. ففي مدينة جنين، وجد مئات المواطنين أنفسهم أمام أبواب موصدة بلحام الأكسجين، بعد أن داهمت قوات الاحتلال مقر لجنة الزكاة المركزية وعاثت فيه خراباً وصادرت وثائقه المالية والإدارية.

هذا الإغلاق لم يكن مجرد إجراء إداري، بل مثل ضربة قاصمة لآلاف العائلات التي تعتمد على اللجنة في تأمين الدواء والغذاء. الشاب ياسر عارف والمسنة 'سعدة' كانا من بين العشرات الذين صدموا بالقرار، حيث كانا يأملان في صرف وصفات طبية لأمراض مزمنة تعجز مديريات الصحة عن توفيرها بسبب أزمة نقص المستلزمات الطبية الحادة التي تضرب الضفة.

وتشير الشهادات الميدانية إلى أن لجنة زكاة جنين كانت تشكل شريان حياة للأسر المتعففة، حيث قدمت في موسم العيد الماضي وحده قرابة 150 ألف دولار كعيديات ومساعدات نقدية. واليوم، تجد هذه الأسر نفسها محرومة من 'كسوة العيد' وطرود اللحوم التي كانت توزع بانتظام، مما يضاعف من وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة.

رئيس اللجنة، سمير السوقي، أكد أن الاحتلال بدد آمال آلاف العائلات دون سابق إنذار أو مبرر قانوني، مشيراً إلى أن اللجنة تعمل منذ أكثر من 40 عاماً في خدمة الأيتام والفقراء. وأوضح أن الاستهداف طال الملفات المالية وبيانات المستفيدين، مما أربك العمل الإغاثي وحرم الأيتام من مخصصاتهم المالية التي كان من المقرر صرفها قبيل العيد.

ولا يقتصر هذا الاستهداف على جنين وحده، بل يمتد ليشمل مدن الضفة كافة؛ فقبل أسابيع أغلقت قوات الاحتلال لجنة زكاة بلدة إذنا في الخليل، وجمعية مديد الخيرية في نابلس. هذه السياسة تهدف، بحسب مراقبين، إلى تجفيف منابع العمل الخيري وترهيب المتبرعين من داخل وفلسطين وخارجها، مما يهدد استمرارية البرامج الإغاثية الدولية.

وفي ظل هذه التضييقات، سجلت معدلات البطالة في الضفة الغربية مستويات قياسية بلغت 27.5% خلال العام الجاري، بينما قفزت نسب الفقر إلى نحو 58%. هذا التدهور المعيشي يتزامن مع ارتفاع جنوني في أسعار الأضاحي، حيث وصل سعر الكيلوغرام من اللحم الحي إلى 50 شيكلاً، مما جعل إحياء شعائر العيد حلماً بعيد المنال للأغلبية الساحقة.

ويرى محللون سياسيون أن استهداف المؤسسات الإغاثية يندرج ضمن مخطط لتفكيك النسيج المجتمعي الفلسطيني وضرب الكينونة المؤسساتية. الاحتلال يسعى من خلال هذه الإجراءات إلى إشغال الفلسطينيين بلقمة عيشهم وصرف أنظارهم عن المشاريع التهويدية المتسارعة في القدس والضفة، عبر دفعهم نحو خط الفقر المدقع.

إغلاق مقر اللجنة صدمنا ووضعنا في موقف صعب، إذ لم يعد لدينا أمل في توفير الدواء لمرضنا بعد الآن.

وبالتوازي مع خنق الضفة، يواصل الاحتلال عدوانه الوحشي على قطاع غزة، حيث أفادت مصادر ميدانية باستشهاد 5 فلسطينيين في قصف مسيرة إسرائيلية استهدف مواطنين شرق مخيم المغازي. الضحايا كانوا يحاولون التصدي لمجموعات مسلحة مدعومة إسرائيلياً حاولت اقتحام منازل المواطنين في المنطقة، مما أدى لوقوع إصابات بليغة وصلت لمستشفى شهداء الأقصى.

وفي خان يونس، لا تزال آلة القتل الإسرائيلية تحصد أرواح الأطفال، حيث استشهدت الطفلة فاطمة عبد الهادي الخطيب (14 عاماً) متأثرة بجراحها جراء قصف خيام النازحين. كما انضمت الطفلة منة الله نبيل أبو لبدة والمواطنة حنان عبد الناصر إلى قائمة الشهداء، في ظل استمرار القصف المدفعي والجوي الذي لا يفرق بين مدني ومنشأة حيوية.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن حصيلة خروقات اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر الماضي بلغت 904 شهداء، فيما تجاوزت الحصيلة الإجمالية للعدوان منذ أكتوبر 2023 حاجز 72 ألف شهيد. هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في ظل صمت دولي وتراجع الاهتمام الإعلامي العالمي بالقضية.

وعلى الصعيد الإنساني في غزة، يفاقم إغلاق المعابر، لا سيما معبر رفح، من معاناة السكان الذين حرموا هذا العام من أداء فريضة الحج. السيطرة الإسرائيلية الصارمة على حركة الأفراد والبضائع حولت القطاع إلى سجن كبير، حيث تمنع المساعدات الطبية والغذائية من الدخول بشكل كافٍ، مما يهدد بانتشار المجاعة والأوبئة.

ورغم الحديث الدولي عن مساعي التهدئة، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى استمرار عمليات الاغتيال الممنهجة واستهداف البنية التحتية. وتقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار ما دمره الاحتلال في غزة بنحو 70 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الدمار الهائل الذي طال كافة مناحي الحياة في القطاع المحاصر.

وفي سياق المحاولات السياسية، تواصل الإدارة الأمريكية الترويج لمشاريع تحت مسمى 'السلام' و'القبة الإبراهيمية'، وهي مشاريع يراها الفلسطينيون محاولة لتصفية قضيتهم. ورغم كل هذه الضغوط الاقتصادية والعسكرية، تظهر الحاضنة الشعبية للمقاومة صموداً لافتاً، مجهضة محاولات الاحتلال لزرع الفتن الداخلية أو كسر إرادة الشعب.

إن إغلاق لجان الزكاة في الضفة الغربية ليس مجرد إجراء أمني، بل هو جزء من حرب شاملة تستهدف الوجود الفلسطيني. فبين مطرقة القصف في غزة وسندان الحصار الاقتصادي في الضفة، يبقى المواطن الفلسطيني متمسكاً بأرضه، رغم حرمان آلاف الأيتام من 'عيدية' العيد وحرمان المرضى من جرعة دواء كانت توفرها جمعية خيرية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا