تعيش العائلات النازحة في قطاع غزة واقعاً مأساوياً يتجاوز حدود الاحتمال، حيث باتت مكبات النفايات العشوائية جيراناً قسريين لخيامهم المهترئة. تروي الحاجة نعمة، إحدى النازحات، معاناتها اليومية في تفحص أجساد أحفادها التي غزتها الأمراض الجلدية بفعل الحشرات والروائح الكريهة المنبعثة من تراكم القمامة، مؤكدة أن الحياة في هذه الظروف باتت أصعب من الموت نفسه.
وتتفاقم الأزمة مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في منع وصول شاحنات تفريغ النفايات إلى المكبات الرئيسية الواقعة في المناطق الحدودية، مثل مكب 'صوفا' و'الفخاري' و'جحر الديك'. هذا المنع أدى إلى حشر نحو مليوني إنسان في مساحات ضيقة جداً تفتقر لأدنى مقومات النظافة العامة، مما حول مراكز الإيواء إلى بؤر للأوبئة.
وتشير التقديرات المحلية إلى أن حجم النفايات المتراكمة في المحافظات المختلفة وصل إلى نحو مليون طن، موزعة على أكثر من 23 مكباً عشوائياً بين خيام النازحين. وأكد رئيس بلدية المغازي، محمد مصلح أن الاحتلال يتعمد عرقلة نقل هذه الكميات الهائلة، مما يجعل السيطرة على الوضع البيئي أمراً شبه مستحيل في ظل الإمكانيات المتاحة.
في الجانب الطبي، تدق العيادات الميدانية ناقوس الخطر مع تزايد أعداد المصابين بأمراض جلدية معدية بشكل غير مسبوق. وأفادت الطبيبة حليمة أبو شاربين بأنها تستقبل يومياً ما لا يقل عن 150 حالة تعاني من التهابات وقروح جلدية، مشيرة إلى أن الاكتظاظ السكاني وتراكم القمامة هما السببان الرئيسيان وراء هذا التفشي السريع.
ولا تقتصر المعاناة على الأمراض الجلدية فحسب، بل تمتد لتشمل أمراض الجهاز الهضمي والنزلات المعوية الحادة نتيجة التلوث البيئي الشامل. ويشكو النازحون من انتشار القمل والجرب والطفح الجلدي، في ظل انعدام المياه النظيفة والمواد المنظفة اللازمة للحد من انتقال العدوى بين أفراد العائلة الواحدة والخيام المتلاصقة.
وتؤكد مصادر محلية أن الخدمات الحكومية والبلدية أصيبت بشلل شبه كامل منذ بداية العدوان، ورغم محاولات العودة الجزئية للعمل، إلا أن حجم الدمار يظل عائقاً أمام أي عملية تنظيف شاملة. ويمنع الاحتلال بشكل قطعي دخول المعدات الثقيلة وقطع الغيار اللازمة لإصلاح شاحنات جمع النفايات المتهالكة.
من جانبه، حذر اتحاد بلديات قطاع غزة من أن القطاع ينتج يومياً نحو 2000 طن من النفايات الصلبة التي لا تجد طريقاً للمعالجة الصحيحة. هذا التراكم اليومي يزيد من تعقيد المشهد البيئي ويجعل من المكبات العشوائية قنابل موقوتة تهدد الصحة العامة للسكان المحاصرين في مساحات ضيقة.
وعلى الصعيد الدولي، وصف أليساندرو مراكيتش، المسؤول في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مشكلة النفايات في غزة بأنها 'هائلة وتتجاوز القدرات المحلية'. وأشار إلى أن المواقع الرئيسية الثلاثة للمكبات تقع ضمن مناطق يحظر الاحتلال الوصول إليها، مما يجعل التعامل مع مليوني طن من النفايات غير المعالجة تحدياً دولياً.
وتسعى الأمم المتحدة لتطوير خطط طارئة للتعامل مع هذه الكارثة، بما في ذلك مقترحات لإنشاء مصانع معالجة متطورة يمكنها تحويل النفايات إلى طاقة كهربائية. ومع ذلك، تبقى هذه الخطط رهينة الموافقة الإسرائيلية على إدخال الآلات والمعدات الضرورية لبدء العمل على الأرض، وهو ما يرفضه الاحتلال حتى الآن.
إن استمرار تكدس القمامة بين خيام النازحين لا يمثل كارثة بصرية فحسب، بل هو تهديد وجودي يمس حياة الأطفال والنساء وكبار السن بشكل مباشر. فالذباب والحشرات باتت تغطي كل شيء، والروائح الكريهة تخترق الخيام في ظل درجات حرارة مرتفعة تسرع من عمليات التحلل العضوي للنفايات.
ويرى مراقبون أن تعنت الاحتلال في منع إدخال معدات الصرف الصحي وجمع النفايات يأتي في إطار سياسة التضييق الممنهج على سكان القطاع. هذه السياسة تسببت في انهيار المنظومة البيئية بالكامل، مما جعل من أبسط حقوق الإنسان، وهو العيش في بيئة نظيفة، أمراً بعيد المنال للفلسطينيين في غزة.
وفي ظل هذا الواقع المرير، يطالب سكان القطاع والجهات البلدية بضرورة ممارسة ضغط دولي حقيقي لفتح الممرات أمام المعدات البيئية والإنسانية. إن التأخر في معالجة أزمة النفايات يعني حكماً بالإعدام البطيء على آلاف العائلات التي تفتك بها الأوبئة بعيداً عن آلات الحرب المباشرة.
ختاماً، يبقى مشهد النفايات المتراكمة شاهداً على حجم المأساة التي يعيشها قطاع غزة، حيث تتداخل الأزمات السياسية والعسكرية مع الكوارث البيئية والصحية. وبينما ينتظر العالم حلولاً سياسية، يواصل أطفال غزة صراعهم اليومي مع الأمراض والحشرات في بيئة لم تعد صالحة للحياة الآدمية.
المصدر:
القدس