أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، يوم الخميس، عن فرض حزمة جديدة من العقوبات استهدفت شخصيات سياسية وأمنية لبنانية، بزعم ارتباطها بأنشطة حزب الله. وتأتي هذه الخطوة في توقيت حساس يتزامن مع تصاعد التوترات السياسية والأمنية، والجهود الدولية الجارية للتوصل إلى اتفاق هدنة بين لبنان وإسرائيل.
من جانبه، سارع حزب الله إلى إصدار بيان ندد فيه بهذه الإجراءات، معتبراً إياها 'محاولة ترهيب' أميركية تهدف إلى ممارسة الضغط على الشعب اللبناني. وأكد الحزب أن هذه العقوبات تسعى بشكل مباشر إلى تدعيم الموقف الإسرائيلي في عدوانه المستمر على الأراضي اللبنانية، مشدداً على أنها لن تغير من خياراته السياسية.
وشدد الحزب في بيانه على أن استهداف ضباط في الجيش اللبناني والأمن العام يمثل محاولة مكشوفة لإخضاع المؤسسات الأمنية الرسمية لشروط الوصاية الأميركية. ودعا الحزب الدولة اللبنانية إلى ضرورة التحرك للدفاع عن مؤسساتها الدستورية والعسكرية، معتبراً أن الصمت حيال هذه الإجراءات يمس بالسيادة الوطنية وكرامة اللبنانيين.
وفي سياق متصل، أعربت حركة أمل التي يتزعمها رئيس البرلمان نبيه بري عن رفضها القاطع للقرار الأميركي، واصفة إياه بأنه 'غير مقبول وغير مبرر'. وأشارت الحركة في بيان رسمي إلى أن هذه العقوبات تستهدف دورها السياسي الحريص على حماية الدولة ومؤسساتها الوطنية في ظل الظروف الراهنة.
وشملت القائمة الأميركية للمرة الأولى نواباً حاليين ووزراء سابقين من كتلة الوفاء للمقاومة، من بينهم النائب حسن فضل الله والوزير السابق محمد فنيش. واتهمت واشنطن فنيش بالمسؤولية عن تنظيم الهياكل الإدارية للحزب، بينما أشارت إلى دور فضل الله في تأسيس الوسائل الإعلامية التابعة للتنظيم.
كما طالت العقوبات النائبين إبراهيم الموسوي وحسين الحاج حسن، حيث وصفت الخزانة الأميركية الأخير بأنه أحد أبرز المعارضين لمشاريع نزع سلاح الحزب. وتعتبر هذه الخطوة تصعيداً في ملاحقة الممثلين السياسيين للحزب داخل الندوة البرلمانية اللبنانية، مما يعقد المشهد السياسي الداخلي.
وعلى صعيد الشركاء الأمنيين، استهدفت العقوبات أحمد أسعد بعلبكي، المسؤول الأمني في حركة أمل، بتهمة التنسيق مع حزب الله لاستعراض القوة. كما شملت القائمة علي أحمد صفاوي، قائد الحركة في جنوب لبنان، والذي اتهمته واشنطن بالمشاركة في عمليات عسكرية مشتركة ضد الجانب الإسرائيلي.
وفي تطور لافت، أدرجت واشنطن العميد خطار ناصر الدين، رئيس دائرة الأمن القومي في الأمن العام، والعقيد سامر حمادة من مخابرات الجيش اللبناني على قائمة العقوبات. وتزعم التقارير الأميركية أن الضابطين قاما بمشاركة معلومات استخباراتية حساسة مع حزب الله خلال المواجهات العسكرية التي اندلعت العام الماضي.
ويرى مراقبون أن توقيت هذه العقوبات يحمل رسائل سياسية مشفرة، حيث تأتي قبيل جولة مفاوضات أمنية مرتقبة في مقر البنتاغون بواشنطن. ومن المقرر أن يلتقي وفدان عسكريان من لبنان وإسرائيل في 29 مايو الجاري، لبحث ترتيبات أمنية جديدة تحت رعاية الولايات المتحدة.
وأفادت مصادر بأن الإدارة الأميركية تسعى من خلال هذه الضغوط إلى تقويض قدرة الأطراف اللبنانية على عرقلة مسار اتفاق السلام المقترح. وتهدف واشنطن إلى إزاحة الشخصيات التي تعتبرها حجر عثرة أمام تنفيذ الشروط الدولية المتعلقة بنزع السلاح وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي.
وتشير التحليلات إلى أن هذه الحزمة تختلف عن سابقاتها التي ركزت على الكيانات الاقتصادية ورجال الأعمال الممولين للحزب. فالتوجه الحالي يستهدف 'تطهير' البيئة السياسية والأمنية المحيطة بالمفاوضات، لضمان عدم وجود معارضة قوية من داخل مؤسسات الدولة اللبنانية للاتفاقيات المرتقبة.
ومن المتوقع أن تثير هذه العقوبات موجة من الجدل القانوني والسياسي داخل الحكومة اللبنانية، خاصة فيما يتعلق بوضعية الضباط المستهدفين في الخدمة الفعلية. وتواجه الدولة اللبنانية تحدياً كبيراً في كيفية التعامل مع هذه الإجراءات دون الصدام مع المجتمع الدولي أو التفريط في سيادتها على مؤسساتها العسكرية.
ختاماً، يبقى الترقب سيد الموقف لما ستسفر عنه جولة المفاوضات في يونيو المقبل، في ظل هذه الضغوط الأميركية المتزايدة. وتترقب الأوساط السياسية ردود فعل رسمية إضافية من الحكومة اللبنانية، التي تجد نفسها في موقف حرج بين التزاماتها الدولية وضغوط القوى السياسية الداخلية المتضررة.
المصدر:
القدس