تخيم حالة من الذهول والصمت المطبق على ضاحية سان دييغو في الولايات المتحدة، عقب الهجوم الدامي الذي استهدف المركز الإسلامي وأسفر عن مقتل ثلاثة مصلين. ويقف أبناء الجالية المسلمة أمام المسجد عاجزين عن استيعاب مأساة تتعامل معها السلطات الأمنية كاعتداء نابع من خطاب الكراهية ومعاداة الإسلام.
يروي رمزي، وهو شاب فقد والده في الاعتداء، تفاصيل اللحظات الأخيرة لوالده الذي كان زوجاً لإحدى المعلمات في المركز. ويقول إن والده هرع فور سماع إطلاق النار لتأمين فصول الأطفال وحمايتهم من الرصاص، وهو تصرف بطولي كلفه حياته في سبيل إنقاذ الصغار.
الضحايا الثلاثة شملوا إلى جانب والد رمزي، حارس الأمن وحارس المبنى اللذين كانا في خط الدفاع الأول عن مكان العبادة. وقد نفذ الهجوم مراهقان يبلغان من العمر 17 و18 عاماً، حددت الشرطة هويتهما باسم كاين كلارك وكاليب فاسكيز، واللذان انتحرا قبل وصول قوات الأمن.
كشفت التحقيقات الأولية أن أحد المهاجمين كان يتابع دروسه عبر الإنترنت في مدرسة قريبة جداً من موقع المسجد. وكانت والدته قد حذرت الشرطة في صباح يوم الحادث من مغادرته المنزل بسيارتها ومعه أسلحة نارية يملكها، وكان يرافقه صديقه الذي يرتدي زياً عسكرياً مموهاً.
تتساءل الجالية المصدومة عن الدوافع التي قادت شابين في مقتبل العمر لارتكاب مثل هذه الجريمة البشعة ضد مصلين مسالمين. ورغم حديث الشرطة عن 'خطاب كراهية'، إلا أن الغموض لا يزال يكتنف الأسباب المباشرة التي جعلتهما يحملان هذا العداء الشديد تجاه الإسلام والمسلمين.
يتحول محيط المسجد تدريجياً إلى مزار لوضع الزهور، حيث يأتي الجيران من مختلف الخلفيات للتضامن مع الضحايا. ويغلب البكاء على الكثيرين الذين يعجزون عن إتمام جملهم، في مشهد يعكس حجم الفاجعة التي ضربت هذا الحي الهادئ والمتعدد الثقافات.
يُعرف المسجد بكونه مركزاً حيوياً لا يقتصر على الصلاة فقط، بل يُستخدم كمركز للاقتراع ويضم مدرسة تعليمية كبيرة. ويقصده مصلون من أصول متنوعة تشمل الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا، مما يجعله رمزاً للتنوع والتعايش في المدينة الكاليفورنية.
أشادت جارة للمسجد تدعى كايتلين فيسك بأخلاق الجالية المسلمة، واصفة إياهم بأنهم أناس طيبون لا يعاملون أحداً بتمييز. وأعربت عن صدمتها العميقة لفقدان حارس الأمن الذي كانت تعتاد إلقاء التحية عليه كل صباح أثناء تنزهها مع كلبها.
من جانبها، عبرت أماني خطيب، وهي مساعدة مدرسة في المركز، عن فقدان الشعور بالأمان الذي كان يميز المنطقة. ووقفت أماني بحجابها أمام غرفة حارس الأمن الذي ضحى بحياته، متسائلة بمرارة عن سبب استهدافهم وهم الذين لم يؤذوا أحداً.
أوضح الإمام طه حسان أن حارس الأمن لعب دوراً محورياً في منع وقوع مجزرة أكبر بكثير مما حدث. فقد بادر الحارس بالتصدي للمهاجمين واستخدم جهاز اللاسلكي لتنبيه المدرسين بضرورة إغلاق الفصول بإحكام، مما حمى أكثر من مئة طفل كانوا داخل المدرسة.
أشار الإمام إلى أن المسجد تعرض في السابق لمضايقات ورسائل كراهية، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وأضاف أن التوترات السياسية الأخيرة في غزة وإيران زادت من وتيرة الرسائل العدائية، لكن أحداً لم يتوقع أن يصل الأمر إلى هجوم مسلح.
حمّل الإمام حسان المسؤولية لـ 'نقص التثقيف' بشأن الدين الإسلامي، منتقداً الخطاب السياسي الذي ينزع الصفة الإنسانية عن الأقليات. ويرى أن هذا التحريض لا يستهدف المسلمين فحسب، بل يمتد ليشمل السود واللاتينيين وغيرهم من الفئات في المجتمع الأمريكي.
تتفق الجارة فيسك مع رؤية الإمام، معتبرة أن الجهل المحض والكراهية هما ما دفعا الشابين لارتكاب فعلتهما. وألقت باللوم بشكل كامل على وسائل التواصل الاجتماعي مثل 'ريديت' و'تيك توك' التي تروج لخطابات التطرف وتغذيها عبر الخوارزميات.
يبقى مسجد سان دييغو اليوم شاهداً على مأساة جديدة تضاف إلى سجل جرائم الكراهية في الولايات المتحدة. وبينما تستمر التحقيقات، تحاول الجالية لملمة جراحها والبحث عن إجابات في ظل واقع أمني وسياسي يزداد تعقيداً تجاه الأقليات الدينية والعرقية.
المصدر:
القدس