استقبل مطار إسطنبول الدولي ثلاث طائرات تابعة للخطوط الجوية التركية، تحمل على متنها 422 ناشطاً من أسطول الصمود العالمي، عقب إفراج سلطات الاحتلال الإسرائيلي عنهم وترحيلهم جماعياً عبر مطار رامون. ووصل الناشطون الذين يمثلون أكثر من 40 دولة وهم يحملون آثاراً بليغة لانتهاكات جسدية وصفت بالوحشية، تعرضوا لها خلال فترة احتجازهم القسري في المياه الدولية ومراكز الاعتقال الإسرائيلية.
أفادت مصادر بأن رحلات الإجلاء تمت بتنسيق مباشر من الخارجية التركية لنقل المشاركين، والذين كان من بينهم 85 مواطناً تركياً و337 من جنسيات مختلفة. وكان هؤلاء الناشطون قد انطلقوا في رحلتهم الإنسانية من ميناء مرمريس قبل نحو خمسة أسابيع، قبل أن تعترض قوات الاحتلال سفنهم وقواربهم في المياه الدولية غرب جزيرة قبرص، على بعد مئات الكيلومترات من سواحل قطاع غزة.
أكد نائب وزير الخارجية التركي، حاجي علي أوزال أن إسرائيل انتهكت القانون الدولي باستهدافها حركة مدنية عالمية كانت تسعى لمهمة إنسانية سلمية. وأوضح أن المهمة كانت تهدف لإيصال مساعدات حيوية من غذاء ووقود ومستلزمات طبية للقطاع المحاصر، مشدداً على أن هذا الاعتداء يمثل استهتاراً بكافة الأعراف الدولية والحقوقية.
شهد المطار استنفاراً طبياً واسعاً لاستقبال المصابين، حيث تم تجهيز سيارات الإسعاف والأسرّة المتحركة لنقل الحالات الحرجة والعاجزين عن الحركة إلى معهد الطب العدلي. وكان في استقبال الناشطين حشود شعبية ورسمية، تقدمهم رئيس لجنة الصداقة التركية الفلسطينية حسن توران، وسط أجواء من التنديد الواسع بالممارسات الإسرائيلية.
نقلت مصادر شهادات حية وصادمة للمفرج عنهم، أكدوا فيها تعرضهم لعمليات ضرب مبرح وسحل وصعق بالكهرباء، بالإضافة إلى التحرش والاعتداء الجسدي المتعمد. ووثقت الكاميرات إصابات بليغة في مناطق الظهر والأرجل والوجوه، مما يعكس حجم العنف الذي مورس بحق المتضامنين العزل خلال فترة اختطافهم.
كشفت الطبيبة الأيرلندية مارغريت كونولي عن ظروف احتجاز مأساوية، حيث حشرت سلطات الاحتلال نحو 50 مدنياً داخل حاوية معدنية ضيقة وقذرة لمدة ثلاثة أيام. وأوضحت كونولي أن المحتجزين حرموا من الطعام والماء الكافيين، ومنعوا من الحصول على أدنى مستلزمات النظافة الشخصية، واصفة تلك الظروف بأنها قاسية وغير إنسانية وتخالف أبسط حقوق البشر.
روى الناشط الكندي إيهاب لطيف تفاصيل اعتداء جندي إسرائيلي عليه بالسكين في يده أثناء محاولته توزيع المياه على زملائه المحتجزين، مما تسبب له بفقدان الإحساس بها. كما أشار ناشطون آخرون إلى تعرضهم لكسور في الأضلاع نتيجة العقاب البدني المتعمد الذي مارسه الجنود ضدهم داخل مراكز الاحتجاز المؤقتة.
تحدث الناشط مايكل فرانس عن تحويل السفن الحربية الإسرائيلية إلى مراكز احتجاز، حيث أجبروا على النوم على الأرض الصخرية وتعرضوا للصعق الكهربائي المتكرر. وأضاف أن الجنود تعمدوا الدوس على أقدامهم العارية بأحذيتهم العسكرية الثقيلة، وتوجيه ضربات مباشرة للرؤوس والوجوه لترهيبهم ومنعهم من الاحتجاج.
من جانبه، كشف الناشط هاهونا أورمسبي، من سكان نيوزيلندا الأصليين، عن تعرضه للركل والتقييد على كرسي والارتطام بالجدران تحت تهديد مستمر بالإيذاء. فيما روى الناشط مجيد تفاصيل إطلاق الرصاص المطاطي على أقدام الناشطين من مسافة قريبة، وتركهم ينزفون لساعات طويلة دون تقديم أي رعاية طبية أولية.
أثارت هذه الانتهاكات موجة غضب دولية عارمة، حيث استدعت عدة عواصم أوروبية وعالمية سفراء إسرائيل للاحتجاج على هذه الممارسات الوحشية. وجاء هذا التحرك الدبلوماسي عقب نشر وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير مقطعاً مصوراً يتباهى فيه بإشرافه المباشر على عمليات التنكيل بالناشطين الدوليين.
بدأت النيابة العامة في إسطنبول رسمياً إجراءات استجواب الناشطين وأخذ إفاداتهم القانونية، تمهيداً لإدراجها في ملف قضية دولية تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وتهدف هذه التحركات القضائية إلى ملاحقة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، بما في ذلك تهم التطهير العرقي والحرمان غير القانوني من الحرية.
أصدر القضاء التركي مذكرات توقيف بحق أكثر من 30 مسؤولاً إسرائيلياً، يتصدرهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس والوزير بن غفير. وتأتي هذه المذكرات في إطار سعي أنقرة لمحاسبة قادة الاحتلال على الجرائم المرتكبة بحق المشاركين في أسطول الصمود العالمي.
رغم المعاناة الجسدية والنفسية، خرج الناشطون من المطار رافعين علامات النصر وهاتفين بالحرية لفلسطين وللمسجد الأقصى المبارك. وأكد المشاركون، ومن بينهم بروفيسور أمريكي، عزمهم على تنظيم تحالف جديد لأسطول حرية أكبر لكسر الحصار عن غزة، مشددين على أن تضحياتهم لا تقارن بصمود الشعب الفلسطيني الأسطوري.
المصدر:
القدس