آخر الأخبار

اعتصام الجرحى والأسرى المحررين في رام الله للمطالبة بالرواتب

شارك

يواصل عشرات الجرحى والأسرى المحررين في الضفة الغربية اعتصامهم المفتوح أمام مقر الحكومة الفلسطينية بمدينة رام الله لليوم الخامس على التوالي. ويأتي هذا التحرك الاحتجاجي رداً على قرار السلطة الفلسطينية بقطع مخصصاتهم المالية الشهرية، وسط مطالبات ملحة بإعادة فتح ملفاتهم وصرف مستحقاتهم المتوقفة منذ عدة أشهر دون تقديم بدائل واضحة.

وأكد المعتصمون أن توقيت فعالياتهم يتزامن مع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، بهدف ممارسة ضغط مباشر على المستوى السياسي الفلسطيني. ويسعى المحتجون من خلال هذا الاعتصام إلى إيصال رسالة مفادها ضرورة التراجع عن الإجراءات الأخيرة التي مست لقمة عيش مئات العائلات التي تعتمد بشكل كلي على هذه الرواتب.

وتعود جذور الأزمة إلى مرسوم رئاسي صدر في عام 2025، قضى بإلغاء القوانين التي تعتمد صفة 'الأسير' أو 'الجريح' كمعيار وحيد للاستحقاق المالي. وبموجب هذا القرار، جرى استبدال النظام القديم بنظام اجتماعي جديد يخضع لمعايير اقتصادية، مع إحالة الملفات إلى المؤسسة الوطنية للتمكين الاقتصادي 'تمكين'.

ويعبر الجرحى والأسرى عن مخاوف عميقة من أن يؤدي هذا التغيير إلى طمس صفتهم الوطنية وتحويلهم إلى 'حالات اجتماعية' بدلاً من كونهم رموزاً للنضال الفلسطيني. ويرى المحتجون أن هذه الخطوة تتماشى مع الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المستمرة لوقف دعم عائلات الشهداء والأسرى، وهو ما يرفضه الشارع الفلسطيني جملة وتفصيلاً.

من بين المعتصمين، يبرز الشاب محمد الزغير من مدينة الخليل، الذي يعاني من بتر في يده وتشوهات جسدية بليغة إثر قصف إسرائيلي تعرض له عام 2002. الزغير الذي أصبح أسيراً محرراً لاحقاً، يجد نفسه اليوم بلا مصدر دخل لإعالة أطفاله الخمسة، بعد توقف راتبه الذي كان يغطي تكاليف علاجه الباهظة.

وأوضح الزغير أن تكلفة أدويته الشهرية تصل إلى نحو 400 دولار، وهي مبالغ لا تتوفر في المستشفيات الحكومية ولا يستطيع تأمينها حالياً. وأشار إلى أن نسبة الإعاقة لدى أغلب المعتصمين تتراوح بين 80% إلى 100%، مما يجعلهم غير قادرين على الانخراط في سوق العمل التقليدي لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

وفي سياق متصل، يشارك الجريح والأسير المحرر علاء وشاحي، القادم من مخيم جنين، في الاعتصام رغم الظروف الجوية القاسية والمخاطر الأمنية. وشاحي الذي أصيب خلال اجتياح عام 2002، فقد منزله مؤخراً إثر العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في شمال الضفة الغربية، ليجد نفسه بلا مأوى وبلا راتب.

نحن نطالب بحقوقنا عبر هذا الاعتصام المستمر، ولا نريد مساعدات أو تبرعات، ونرفض تحويل ملفاتنا لمؤسسة تمكين التي تمحو صفتنا الوطنية والنضالية.

ويقول وشاحي إن راتبه الذي كان يبلغ 600 دولار كان يمثل شريان الحياة الوحيد لأسرته ولتأمين أدوية الأعصاب التي يحتاجها بشكل دوري. وأضاف أن تجاهل الجهات الرسمية لمطالبهم يزيد من مرارة شعورهم بالإهمال، خاصة وأنهم لم يتلقوا أي زيارة من مسؤول أو وزير منذ بدء اعتصامهم في رام الله.

أما علاء زيات، وهو جريح من مخيم بلاطة، فقد شدد على أن المعتصمين يرفضون بشكل قاطع التعامل معهم كمتلقين للمساعدات الإنسانية. وأوضح أن الأسئلة التي تطرحها مؤسسة 'تمكين' عند تعبئة الملفات تمس كرامة المناضلين، وتتعامل مع تضحياتهم كأرقام في كشوفات الشؤون الاجتماعية، وهو ما يعتبرونه إهانة لتاريخهم.

وتشير المعطيات الرسمية إلى أن إسرائيل تواصل اقتطاع مبالغ ضخمة من أموال الضرائب الفلسطينية 'المقاصة' بذريعة دفع هذه المخصصات. وقد تجاوزت قيمة الأموال المحتجزة لدى الاحتلال 5 مليارات دولار، مما وضع السلطة الفلسطينية في أزمة مالية خانقة دفعتها لاتخاذ إجراءات تقشفية طالت الفئات الأكثر تضرراً.

وعلى الصعيد الميداني، يبيت المعتصمون في العراء أمام مقر مجلس الوزراء، متحدين البرد القارس ومؤكدين استمرارهم في خطواتهم التصعيدية حتى نيل حقوقهم. وناشد المعتصمون الرئيس محمود عباس بالتدخل الفوري لإلغاء القرارات الأخيرة وضمان توفير حياة كريمة للجرحى والأسرى الذين قضوا سنوات في سجون الاحتلال.

وتشير إحصائيات نادي الأسير الفلسطيني إلى وجود أكثر من 9400 أسير حالياً في سجون الاحتلال، يعيشون ظروفاً قاسية وتتعرض عائلاتهم لضغوط معيشية متزايدة. ويرى مراقبون أن قضية الرواتب قد تفجر غضباً شعبياً واسعاً إذا لم يتم التوصل إلى حل يحفظ كرامة المناضلين ويؤمن احتياجاتهم المادية.

وفي ظل غياب الرد الرسمي حتى اللحظة، تتزايد الدعوات من الفصائل الفلسطينية والمؤسسات الحقوقية لضرورة فصل الملف الوطني عن الأزمات المالية. وتؤكد هذه الجهات أن مخصصات الأسرى والجرحى هي حق قانوني ووطني كفلته التشريعات الفلسطينية السابقة، ولا يجوز المساس به تحت أي ضغوط خارجية.

ويبقى المعتصمون في رام الله ينتظرون قراراً يعيد لهم حقوقهم المسلوبة، مؤكدين أن نضالهم المطلبي سيتواصل ولن يتوقف عند حدود الاعتصام. وتظل قضية 'رواتب الأسرى' واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في الساحة الفلسطينية، حيث تتداخل فيها الأبعاد الإنسانية بالضغوط السياسية الدولية والاحتلالية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا