تتقاطع سيرة نجلين من البيت السياسي الفلسطيني عند مصيرين متعاكسين تماماً، حيث يواجه رامي شعث، نجل القيادي نبيل شعث، خطر الترحيل من فرنسا، في وقت يشهد فيه ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني، صعوداً سياسياً لافتاً. يظهر شعث في مقاطع مصورة متوشحاً بالكوفية الفلسطينية، ليعلن أن السلطات الفرنسية أبلغته بنيتها ترحيله بدعوى أنه يشكل تهديداً خطيراً للأمن العام، رغم إقامته القانونية وزواجه من مواطنة فرنسية.
في المقابل، أُعلن السبت الماضي عن فوز ياسر عباس بعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح، وهي أعلى هيئة قيادية في الحركة، مما أثار نقاشات واسعة حول قضية الخلافة والنفوذ. ويأتي هذا الصعود لنجل الرئيس البالغ من العمر 64 عاماً، ليعزز التكهنات حول دور سياسي أكبر ينتظره في المستقبل، مدعوماً بمكانة والده وتغلغله في الملفات الاقتصادية والسياسية الحساسة.
رامي شعث، الذي يبلغ من العمر 54 عاماً، يجد نفسه أمام فصل جديد من الملاحقة بعد سنوات قضاها في السجون المصرية انتهت بترحيله إلى باريس عام 2022. ورغم أن والده نبيل شعث كان مستشاراً للرئيس جمال عبد الناصر وحصل على الجنسية المصرية، إلا أن رامي أُجبر على التنازل عنها كشرط لنيل حريته ومغادرة القاهرة باتجاه المنفى الفرنسي.
على الضفة الأخرى، يبرز ياسر عباس كرجل أعمال ناجح يحمل الجنسية الكندية ويدير إمبراطورية اقتصادية ضخمة تشمل قطاعات المقاولات والاتصالات عبر مجموعة شركات 'فالكون'. ولم يُعرف عن عباس الابن انخراط مباشر في العمل السياسي الميداني أو النضالي، بل ارتبط اسمه بالاستثمارات التي تُقدر قيمتها بعشرات ملايين الدولارات قبل أن يبدأ ظهوره السياسي الرسمي كممثل خاص لوالده.
تتهم شرطة مدينة نانتير الفرنسية رامي شعث بإقامة علاقات مع شخصيات مرتبطة بالقضية الفلسطينية وجماعات مؤيدة لغزة، من بينها منظمة 'أورجنس بالستين'. كما تشير التقارير الأمنية الفرنسية إلى تصريحاته التي وصفتها بالمثيرة للجدل، خاصة تنديده بالاحتلال الإسرائيلي وجرائمه في قطاع غزة خلال التظاهرات التي شهدتها العاصمة باريس مؤخراً.
من جانبه، يرى شعث أن هذه الإجراءات، التي شملت إغلاق حسابه البنكي ووقف تأمينه الصحي، تأتي ضمن حملة عنصرية تستهدف المتضامنين مع فلسطين في أوروبا. وأكد الناشط الفلسطيني أنه سيواجه هذا القرار أمام القضاء الفرنسي والأوروبي، مشدداً على أن ملاحقته لن تثنيه عن مواصلة نشاطه السياسي الذي بدأه منذ عقود في مصر وفلسطين.
تاريخ رامي شعث النضالي ارتبط بشكل وثيق بثورة يناير المصرية عام 2011، حيث كان أحد الوجوه البارزة في الحراك الديمقراطي وشارك في تأسيس حزب الدستور. كما نشط بشكل مكثف كمنسق لحركة المقاطعة (BDS) في القاهرة، مما جعله هدفاً دائماً للسلطات الأمنية التي اعتقلته في عام 2019 ضمن ما عُرف بقضية 'خلية الأمل'.
أما ياسر عباس، فقد بدأ تأهيله السياسي يظهر بوضوح خلال السنوات الخمس الأخيرة، حيث بات يرافق والده في رحلاته الخارجية وزياراته الرسمية إلى دول مثل الأردن وروسيا. وقد كلفه الرئيس عباس بمهام حساسة، منها تولي شؤون لبنان في منظمة التحرير الفلسطينية والإشراف على ملف تسليم السلاح الفلسطيني للجيش اللبناني، مما مهد الطريق لدخوله اللجنة المركزية.
يثير فوز ياسر عباس بعضوية المركزية مخاوف داخل صفوف حركة فتح حول 'توريث السلطة' والتحايل على اللوائح الداخلية للحركة لضمان بقاء النفوذ في يد عائلة الرئيس. ويرى منتقدون أن هذه الخطوة تعكس حالة من العزلة تعيشها القيادة الفلسطينية، حيث يتم تفضيل الولاءات العائلية على الكفاءات النضالية والتاريخية في صفوف الحركة الشابة.
المفارقة تكمن في أن كلا الرجلين ولدا في بيئة متشابهة؛ فوالداهما من مدينة صفد المحتلة وانتميا لحركة فتح في بداياتها، لكن المسارات افترقت بين 'ابن المنفى' و'ابن السلطة'. فبينما اختار رامي مسار المعارضة والعمل الشعبي بعيداً عن الامتيازات، اختار ياسر مسار المال والنفوذ الذي انتهى به في قمة الهرم القيادي الفلسطيني.
المنظمات الحقوقية الدولية، بما فيها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، كانت قد ضغطت بقوة على الإدارة الفرنسية للتدخل في قضية شعث أثناء اعتقاله في مصر. واليوم، تجد هذه المنظمات نفسها في مواجهة مع الحكومة الفرنسية التي كانت تطالب بحرية شعث بالأمس، وأصبحت اليوم تسعى لطرده من أراضيها بسبب مواقفه السياسية.
رامي شعث أكد في رسالته الأخيرة أنه تعرض لمحاولات تلفيق قضايا تحت مسمى 'تبرير الإرهاب'، لكن القضاء الفرنسي أغلقها لعدم كفاية الأدلة، مما دفع السلطات للجوء إلى إجراءات إدارية للترحيل. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس ضيق صدر العواصم الأوروبية بالحراك المتضامن مع غزة، ومحاولة لتحجيم الرموز الفلسطينية المؤثرة في الرأي العام الغربي.
في المقابل، يرى أنصار الرئيس عباس أن وصول نجله للجنة المركزية هو استحقاق طبيعي نظراً لخبرته الإدارية والمهام التي كُلف بها مؤخراً. ويشير هؤلاء إلى أن الحركة تحتاج إلى دماء جديدة قادرة على التعامل مع الملفات الدولية والاقتصادية المعقدة، بعيداً عن الشعارات التقليدية التي لم تعد تجدي نفعاً في ظل الواقع السياسي الراهن.
بين باريس ورام الله، تظل قصة شعث وعباس تجسيداً لواقع فلسطيني منقسم بين نضال الشارع ودهاليز الحكم، حيث يدفع البعض ثمن مبادئه تشريداً وملاحقة، بينما يحصد آخرون ثمار القرب من مراكز القرار. وتظل الكوفية التي يرتديها شعث في منفاه بباريس، والبدلة الرسمية التي يرتديها عباس في اجتماعات المركزية، رمزين لمسارين لن يلتقيا في المدى المنظور.
المصدر:
القدس