آخر الأخبار

لماذا يظل حق العودة جوهر القضية الفلسطينية؟ تحليل تاريخي وقا

شارك

على مدار أكثر من سبعة عقود، لم تتوقف الماكينة السياسية والعسكرية للاحتلال عن محاولات صياغة جغرافيا جديدة للمنطقة، تهدف في جوهرها إلى فرض أمر واقع يمحو معالم القرى الفلسطينية المهجرة. ورغم تعاقب الحروب وتغير موازين القوى الدولية، ظل مصير ملايين الفلسطينيين الذين أُخرجوا من ديارهم عام 1948 معلقاً، بانتظار عدالة تاريخية لم تتحقق بعد.

لم يكن حق العودة يوماً مجرد شعار عاطفي أو بند ثانوي في ملفات المفاوضات المؤجلة، بل تحول إلى عقيدة وهوية تتوارثها الأجيال. إنه يمثل الرابط الحيوي بين جرح النكبة وحتمية استعادة الحقوق، مما جعله عصياً على الطمس رغم كل الضغوط السياسية والقانونية التي مارستها القوى الدولية والاحتلال.

حين صمتت المدافع عقب نكبة عام 1948، كان الدمار قد طال مئات القرى في محاولة لاقتلاع الإنسان من أرضه وهدم صلته بها. لكن الجغرافيا الفلسطينية أثبتت قدرة فائقة على التحول من كيان ترابي إلى كيان لغوي ووجداني يسكن حناجر اللاجئين في مخيمات الشتات، حيث بقيت الأسماء حية رغم هدم الجدران.

في ظل غياب المكان الفيزيائي، تحولت أسماء القرى مثل سحماتا وصفورية والقسطل إلى حصون لغوية يحتمي بها اللاجئ من ضياع هويته الوطنية. ولم يحمل الفلسطيني معه مفتاح بيته الصدئ فحسب، بل حمل رنيناً خاصاً للاسم الذي صار وطناً بديلاً يمكن استحضاره في أي لحظة بمجرد النداء أو الحكاية.

بينما كانت لجان الأسماء التابعة للاحتلال تعمل على فرض مسميات عبرية مصطنعة على التلال والوديان، كان اللاجئون يعيدون تثبيت الخارطة الأصلية في ذاكرتهم اليومية. وبات نطق اسم القرية الممحاة فعل استعادة سياسي ومعنوي، يعلن من خلاله الفلسطيني أن ملكيته للأرض قائمة ومستمرة ولا تسقط بالتقادم.

تعمل هذه الأسماء والذكريات كوثائق ملكية غير مكتوبة يحفظها الصغار عن الكبار بدقة متناهية. ومن خلال هذا التمسك، تحول الفلسطيني من مجرد لاجئ يبحث عن إغاثة إنسانية، إلى صاحب حق أصيل يرفض التنازل عن أرضه مهما طال زمن اللجوء أو قست ظروف المنافي.

انتقلت جغرافيا القرى المهجرة لتستوطن أزقة المخيمات الـ 58 المعترف بها دولياً، خالقة نظاماً مكانياً ونفسياً موازياً للخارطة الأصلية. ففي هذه المخيمات، لا تُعرف الحارات بجهات البوصلة، بل بأسماء القرى التي هُجر منها السكان، لتجد 'حارة السُميرية' و'حي الكابري' كشواهد حية على الانتماء.

حق العودة ليس مجرد تفصيل تفاوضي مؤجل، بل هو البنية التأسيسية التي قامت عليها القضية الفلسطينية برمتها.

كان هذا التقسيم الاجتماعي داخل المخيم محاولة واعية لإعادة إنتاج المجتمع القروي المفقود والحفاظ على الروابط الأسرية. وبذلك ظل الجار هو الجار، وبقيت الذاكرة الجماعية محكومة بتفاصيل المكان الأول الذي غادره الأجداد قسراً تحت وطأة المجازر والترهيب العسكري.

على الصعيد القانوني، يقف القرار رقم 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1948 كشاهد دولي على مشروعية المطالب الفلسطينية. وتنص الفقرة الحادية عشرة من هذا القرار صراحة على وجوب السماح للاجئين بالعودة إلى ديارهم في أقرب وقت ممكن، مع دفع تعويضات للمتضررين.

رغم أن هذا القرار لم يجد طريقه للتنفيذ الفعلي، إلا أنه ظل يمثل مرجعية قانونية مركزية تؤكد أن قضية اللاجئين ليست أزمة إنسانية عابرة. وقد اعترف المجتمع الدولي من خلاله بأن الأزمة سياسية وحقوقية في المقام الأول، ناتجة عن اقتلاع شعب كامل من جذوره التاريخية.

من رحم هذا الاعتراف الدولي وُلدت وكالة 'الأونروا' لتكون الشاهد المادي والقانوني على استمرار المأساة دون حل عادل. ويعد وجود الوكالة اليوم وسجلاتها التي تحفظ تسلسل عائلات اللاجئين عبر الأجيال، أحد أهم العوائق أمام محاولات تصفية القضية أو تذويبها في المجتمعات المضيفة.

يمثل حق العودة بالنسبة للاحتلال تهديداً وجودياً للمعادلة الديموغرافية التي يسعى للحفاظ عليها، ولذلك يواجه هذا الملف بالرفض المطلق. وفي المقابل، يرى الفلسطينيون أن العودة هي الحد الأدنى من العدالة التي لا يمكن المساومة عليها، وأي تسوية تتجاوز هذا الحق تظل ناقصة وواهية.

في الختام، يظل 'المفتاح' الرمز الأكثر تعبيراً في الوجدان الفلسطيني، كونه وثيقة مادية تعلن أن الباب لا يزال موجوداً وصاحبه ينتظر الرجوع. وطالما أن اسم القرية يُنقل من حنجرة إلى أخرى، فإن النكبة تظل حدثاً مستمراً لم ينتهِ، ويظل سؤال العودة هو السؤال الأول والأخير في المسيرة الوطنية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا