آخر الأخبار

الاستيطان في الضفة الغربية: تقرير عن التطهير العرقي واعتداءا

شارك

تشهد الضفة الغربية المحتلة تحولات دراماتيكية في بنيتها الديموغرافية والجغرافية، حيث تحولت الرحلة بين مدينتي رام الله ونابلس إلى رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر. لم تعد الحواجز العسكرية الإسرائيلية هي العائق الوحيد، بل باتت اعتداءات المستوطنين المسلحين على الطرق الرئيسية والقرى الفلسطينية واقعاً يومياً يهدف إلى تضييق الخناق على السكان الأصليين.

على طول الطريق السريع رقم 60، تبرز الأعلام الإسرائيلية وصور الحاخامات المتطرفين كإشارات سيطرة واضحة لم تكن موجودة قبل عام من الآن. هذه الرموز تعكس أيديولوجية استيطانية ترى في الأرض ملكية حصرية، وتدفع بمجموعات مسلحة للتمركز عند مفارق الطرق لمراقبة وترهيب المسافرين الفلسطينيين تحت حماية الجيش.

في قرى مثل ترمسعيا وبيتا، يمارس المستوطنون سياسة الأرض المحروقة عبر تدمير المحاصيل وحرق السيارات والمنازل بشكل منظم. هذه الاعتداءات ليست مجرد حوادث عشوائية، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى دفع الفلسطينيين لترك أراضيهم، خاصة في المناطق القريبة من المستوطنات المتطرفة مثل 'شيلو' و'يتسهار'.

تؤكد التقارير الحقوقية أن جميع المستوطنات في الضفة الغربية غير شرعية بموجب القانون الدولي، إلا أن الواقع الميداني يظهر تسارعاً في شرعنة البؤر الرعوية. هذه البؤر تبدأ عادة ببيوت متنقلة ومجموعات مسلحة صغيرة، ثم تتوسع لتصبح مستوطنات دائمة تلتهم مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الفلسطينية.

قرية بيتا تحولت إلى رمز للمقاومة الشعبية، حيث ينظم شبابها مسيرات أسبوعية لحماية أراضيهم من التغول الاستيطاني في موقع 'إفياتار'. ورغم سلمية هذه الاحتجاجات في جوهرها، إلا أن الرد الإسرائيلي يكون دموياً، حيث سقط عشرات الشهداء والجرحى برصاص القناصة، ومن بينهم متضامنون دوليون.

في بلدة حوارة ومحيطها، تفرض سلطات الاحتلال عزلاً تاماً عبر بوابات حديدية تقطع أوصال القرى وتمنع التواصل الجغرافي الفلسطيني. وفي المقابل، يتمتع المستوطنون بحرية الحركة الكاملة، بل ويخطون شعارات عنصرية مثل 'اطرد أو اقتل' على جدران المنازل الفلسطينية في تحدٍ صارخ لكل الأعراف الإنسانية.

تشير بيانات منظمة 'بيتسيلم' إلى أن إسرائيل نجحت في تشريد نحو 59 تجمعاً سكانياً فلسطينياً منذ أكتوبر 2023، مما أدى لتهجير أكثر من 4000 إنسان. هذا التطهير العرقي الصامت يترافق مع تدمير متعمد للبنية التحتية في مخيمات اللاجئين، مما رفع عدد المشردين من بيوتهم إلى مستويات قياسية.

المستوطنون باتوا يسيطرون فعلياً على الضفة الغربية، والجيش ينفذ ما يملونه عليه في ظل حصانة تامة من المساءلة.

التحول الجذري في سياسة الاستيطان يعود إلى الاتفاق السياسي بين بنيامين نتنياهو وأقطاب اليمين المتطرف مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتامار بن غفير. فقد منح نتنياهو سموتريتش صلاحيات مدنية واسعة في الضفة الغربية، مما سمح له بإنشاء 'إدارة المستوطنات' التي تعمل حصرياً لخدمة المستوطنين وتوسيع نفوذهم.

من الناحية المالية، ضخ سموتريتش مليارات الشواكل لتعزيز البنية التحتية للمستوطنات، حيث تستحوذ طرق المستوطنين على نحو 30% من ميزانية الطرق الوطنية الإسرائيلية. هذه الاستثمارات الضخمة تهدف إلى جذب المزيد من المستوطنين وتثبيت وجودهم على حساب الأراضي المملوكة للفلسطينيين التي يتم مصادرتها بذرائع قانونية واهية.

بالتوازي مع التمويل، يقود إيتامار بن غفير حملة لتسليح المستوطنين بآلاف البنادق والمسدسات، مما حولهم إلى ميليشيات منظمة تعمل جنباً إلى جنب مع الجيش. هذا التسليح أدى إلى ارتفاع حاد في معدل الاعتداءات اليومية، حيث سجلت الأمم المتحدة آلاف الحوادث التي استهدفت المزارعين والمدنيين الفلسطينيين.

الاعتداءات لم تقتصر على الفلسطينيين فحسب، بل طالت نشطاء السلام الإسرائيليين والفرق الصحفية الدولية التي تحاول توثيق الانتهاكات. هذا المناخ من الفوضى المنظمة يعكس غياب أي سلطة للقانون، حيث يتم التعامل مع كل من يعارض المشروع الاستيطاني كهدف مشروع للميليشيات المسلحة.

السلطة الفلسطينية، رغم امتلاكها لآلاف العناصر الأمنية، تبدو عاجزة عن توفير الحماية لمواطنيها في ظل التزاماتها الأمنية مع الجانب الإسرائيلي. هذا الفراغ الدفاعي يترك القرى الفلسطينية وحيدة في مواجهة هجمات المستوطنين، مما يدفع الأهالي للاعتماد على لجان الحراسة الشعبية البسيطة.

في قرية برقة، يبرز الصمود الفلسطيني في أبهى صوره، حيث يرفض الأهالي الرضوخ لتهديدات مستوطني 'هومش' الذين يحاولون العودة للأرض التي أخليت عام 2005. يواجه القرويون بصدورهم العارية وعصيهم هجمات المستوطنين المتكررة، مؤكدين على ارتباطهم التاريخي والأزلي بتراب أرضهم.

يبقى 'جدار الشهداء' في القرى الفلسطينية شاهداً على أجيال من المقاومة التي بدأت منذ ثلاثينيات القرن الماضي ضد الانتداب البريطاني وصولاً إلى الاحتلال الحالي. ورغم محاولات الاحتلال إزالة الرموز الوطنية مثل تمثال 'حنظلة'، إلا أن جذور الصمود تظل مغروسة في الأرض، رافضة الانكسار أمام آلة التهجير والتطهير العرقي.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا