آخر الأخبار

فلسطينيو 48 يحيون ذكرى النكبة في قرية اللجون المهجرة

شارك

لم تنجح عقود التهجير الطويلة في نزع قرية اللجون المهجرة من وجدان أهالي أم الفحم والداخل الفلسطيني، حيث أحيا المئات الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة بفعاليات ميدانية واسعة. وسار المشاركون من أبناء وأحفاد اللاجئين في طرقات القرية التي ما زالت تحتفظ بهويتها العربية رغم محاولات الطمس المستمرة. وتحولت هذه الجولات إلى مساحة لاستعادة الرواية الفلسطينية وتوثيقها، مع التركيز على ربط الأجيال الجديدة بتاريخ المكان وحكايته الأصيلة.

تضمنت الفعاليات يوماً وطنياً مفتوحاً شمل أعمال تنظيف وصيانة شاملة لمقبرة القرية ومحيط الوادي، بمشاركة ناشطين ومؤسسات محلية. وقدم باحثون شروحات تاريخية حول معالم اللجون وتاريخ سكانها قبل عام 1948، مما ساهم في تعزيز الوعي الجمعي لدى المشاركين. واختتمت هذه الأنشطة بأداء صلاة الجمعة على تراب القرية، في مشهد رمزي يؤكد استمرار الحضور الفلسطيني في الأراضي المهجرة.

برز الشيخ محمود محاميد كأحد المرابطين في المكان، حيث وصل إلى المقبرة حاملاً أدوات الترميم لصيانة شواهد القبور المتآكلة. وأكد محاميد أن هذه القبور تمثل صلة الوصل مع الآباء والأجداد، وأن الحفاظ عليها هو شكل من أشكال الوفاء والتمسك بالحقوق التاريخية. ويرى المتطوعون أن العمل في المقبرة يتجاوز الصيانة التقنية ليصبح فعلاً يومياً لحماية الرواية الوطنية من الغياب والاندثار.

لا تقتصر علاقة أهالي أم الفحم باللجون على المناسبات السنوية، بل تمتد لتشمل زيارات دورية وارتباطاً وجودياً بالمكان الذي يضم أملاكهم ومزارعهم القديمة. ويؤكد الأهالي أن اللجون جزء أصيل من نسيجهم الاجتماعي ولهجتهم وحكاياتهم اليومية التي يتوارثونها جيلاً بعد جيل. وتعتبر هذه الاستمرارية في التواصل رداً عملياً على محاولات عزل الفلسطينيين عن ماضيهم وتاريخ مدنهم وقراهم الأصلية.

من جانبه، أوضح محمد محاميد، رئيس اللجنة الشعبية في أم الفحم أن معظم العائلات الفحماوية كانت تمتلك بيوتاً أو مزارع في اللجون قبل النكبة. وأشار إلى أن الحضور الدائم في القرية هو استمرار لـ 'طريق العودة' الذي يبدأ من الحفاظ على شواهد القبور وبقايا المساجد القديمة. وتهدف مشاريع التواصل ومعسكرات العمل التطوعي إلى إرسال رسائل واضحة للاحتلال بأن الحياة لم تنقطع في هذه الأرض.

بين الركام وبقايا البيوت، يسير الثمانيني زياد طميش، الذي ولد في اللجون قبل تهجيرها بخمس سنوات، ليكون شاهداً حياً على النكبة واللجوء. يحرص طميش على زيارة القرية بشكل شبه يومي، حيث يروي للزوار والمتنزهين تفاصيل الحياة التي كانت قائمة قبل الاقتلاع. وبالنسبة له، فإن سرد الحكاية هو وسيلة لحماية المكان من النسيان وتثبيت حق العودة في عقول الشباب.

تعرض طميش للملاحقة والتحقيقات الشرطية عدة مرات بسبب نشاطه في ترميم المعالم المتبقية، لكن ذلك لم يثنه عن مواصلة العمل. ويؤكد أن أهالي القرية رفضوا بشكل قاطع عروضاً من المحكمة العليا الإسرائيلية للحصول على تعويضات مالية مقابل التنازل عن منازلهم. وشدد على أن القضية ليست مرتبطة بالمال، بل هي قضية أرض وهوية لا يمكن المساومة عليها مهما طال الزمن.

رفضنا التعويضات لأن القضية ليست مالاً، بل أرض وعودة.

تشير الإحصائيات التاريخية إلى أن اللجون كان يسكنها نحو 1080 فلسطينياً قبل تهجيرهم القسري، حيث استقر معظمهم في القرى المجاورة بانتظار العودة. واليوم، يظهر الجيل الرابع للنكبة ارتباطاً وثيقاً بالمكان، حيث يشارك الشبان بفاعلية في أعمال الترميم والجولات الميدانية. ويعكس هذا الاندفاع الشبابي فشل الرهانات الإسرائيلية على أن 'الكبار يموتون والصغار ينسون'.

أكد المحامي أحمد خليفة، عضو المكتب السياسي لحركة أبناء البلد أن إحياء ذكرى النكبة يتجاوز المسيرات الرمزية إلى مشروع وطني متكامل. ويهدف هذا المشروع إلى تثبيت العلاقة اليومية مع القرى المهجرة وإبقائها حية في الوعي السياسي والاجتماعي. وأشار خليفة إلى أن ترميم المقابر والمساجد هو تفنيد عملي للرواية الإسرائيلية التي تحاول تصوير هذه القرى كأماكن منتهية الصلاحية.

تسعى لجنة متولي الأوقاف الإسلامية في اللجون إلى حماية ما تبقى من معالم، مثل مسجد الأغبارية ومطحنة القمح القديمة التابعة لعائلة نوصير. وتواجه هذه الجهود تحديات كبيرة بسبب الحفريات ومشاريع البنى التحتية التي تنفذها إدارة كيبوتس 'مجدو' المقام على أراضي القرية. وتعتبر هذه المعالم الشواهد الوحيدة الباقية التي تقاوم محاولات التهويد وتغيير ملامح الأرض الجغرافية.

في مشهد يبعث على الأمل، شارك الطفلان عمر ومحمد محاميد في أعمال التنظيف بحماس، مؤكدين أن اللجون جزء من عقيدتهما وإيمانهما. ورغم أنهما ولدا في أم الفحم، إلا أنهما يشعران بانتماء عميق لهذه الأرض التي تضم رفات أجدادهما. ويردد الطفلان بثقة أن تواجدهما اليوم هو رسالة بقاء، وأن حلم العودة سيبقى حياً حتى يتحقق واقعاً ملموساً.

تنتشر أشجار الصبار والزيتون المعمرة في أرجاء اللجون، شاهدة على تاريخ المكان وعراقة أهله الذين طردوا منه بقوة السلاح. وتمر في القرية عدة ينابيع وأودية، مثل وادي الست وعين الحجة، التي كانت تشكل شريان الحياة للسكان الأصليين. واليوم، يحاول المهجرون استعادة هذا الرابط الطبيعي من خلال التواجد الدائم وإقامة الفعاليات الثقافية والتربوية في أحضان الطبيعة.

أفادت مصادر محلية بأن الأنشطة التطوعية في اللجون تهدف إلى 'تطبيع' الوجود الفلسطيني في القرى المهجرة وجعل الوصول إليها جزءاً من الحياة الاعتيادية. وتتضمن هذه الأنشطة ورشاً توعوية لتعزيز الهوية الوطنية وترسيخ ذاكرة المكان لدى الأطفال والناشئة. ويؤكد المنظمون أن الحفاظ على المعالم هو خط الدفاع الأول في مواجهة سياسات المصادرة والتهجير الصامت.

ختاماً، تبقى اللجون نموذجاً حياً للمقاومة الثقافية والتمسك بالأرض في الداخل الفلسطيني، حيث تتداخل فيها مشاعر الحزن على الماضي مع الإصرار على المستقبل. إن إصرار الأجيال المتعاقبة على العودة إلى القرية وترميم ما دمره الاحتلال يثبت أن الذاكرة الفلسطينية غير قابلة للكسر. ومع كل حجر يرمم وكل شجرة تزرع، يجدد الفلسطينيون عهدهم مع الأرض بأن العودة حق لا يسقط بالتقادم.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا