لم تكن آلة الحرب الإسرائيلية تستهدف المنشآت العسكرية فحسب، بل امتدت لتطال الوجود الإنساني والجغرافي في قطاع غزة بشكل كلي. حيث تشير المعطيات الميدانية إلى أن أحياءً سكنية كاملة قد اختفت من الخريطة، وتحولت مدن حيوية إلى مساحات من العدم والركام الذي لا ملامح له.
تعتبر مدينة بيت حانون، الواقعة في أقصى شمال القطاع، النموذج الأكثر وضوحاً لسياسة الأرض المحروقة التي انتهجها الاحتلال. فرغم صغر مساحتها، تعرضت المدينة لعمليات تدمير ممنهجة طالت كافة مرافقها الحيوية وبنيتها التحتية، مما جعلها غير قابلة للحياة في المدى المنظور.
يروي النازح أبو رائد المصري، الذي هُجر قسراً من بيت حانون إلى خانيونس، مرارة الفقد التي تجاوزت جدران منزله لتشمل حيه بالكامل. وأفادت مصادر بأن المدينة التي كانت تشتهر ببساتين الحمضيات الوارفة، تحولت بفعل الجرافات والقذائف إلى صحراء قاحلة تفتقر لأدنى مقومات الخضرة أو الحياة.
إن هذا التدمير لم يكن عشوائياً أو وليد الصدفة، بل اتسم بالتنظيم والشمولية لضمان انهيار المنظومة الحضرية بالكامل. فقد استهدفت الغارات الشوارع الرئيسية والمساجد والمدارس، في محاولة واضحة لمحو المعالم التي تشكل الهوية البصرية والاجتماعية لسكان القطاع.
من جانبه، يرى خبير التراث الثقافي حمودة الدهدار أن ما يحدث يتجاوز هدم الجدران الإسمنتية ليصل إلى عمق الهوية والذاكرة الجماعية. وأوضح في تصريحات لمصادر إعلامية أن الاحتلال يسعى لقطع علاقة الأجيال الفلسطينية القادمة بأرضها عبر تدمير العلامات التاريخية والانتماء المكاني.
تنسجم هذه السياسة التدميرية مع مخططات التهجير القسري التي تستهدف الوجود الفلسطيني في جذوره التاريخية. فإزالة المباني والمعالم ليست مجرد فعل عسكري، بل هي محاولة لمحو مجتمع كامل من فضائه الطبيعي وتجريده من تاريخه المرتبط بتلك الأماكن.
على الصعيد القانوني، يؤكد حقوقيون أن استهداف المدن بهذا الشكل يمثل جريمة كبرى تمس الحق في السكن والوجود الإنساني. وأشار الناشط الحقوقي ناصر موسى إلى أن تقارير دولية، بما فيها مداولات محكمة العدل الدولية، أجمعت على وجود أبعاد إبادة جماعية في هذه الممارسات.
وشدد موسى على أن مسح المدن من الخريطة لا يحقق أهدافاً عسكرية مباشرة، بل يندرج تحت بند العقوبات الجماعية المحرمة دولياً. ويهدف هذا السلوك إلى فرض واقع مأساوي يمنع الفلسطينيين من استعادة حياتهم الطبيعية أو التمسك بأرضهم التي تعرضت للتجريف والمحو.
مع توقف العمليات العسكرية، تكشفت غزة عن كارثة حضرية غير مسبوقة في التاريخ الحديث، حيث طال الدمار أكثر من 90% من المباني. وأصبحت المدن التي كانت تضج بالحياة مجرد مساحات شاسعة من الركام والأنقاض التي تغطي مسافات هائلة من القطاع المنكوب.
تقدّر المنظمات الدولية حجم الأنقاض في غزة بأكثر من 50 مليون طن، وهو رقم يعكس حجم التحدي الهائل الذي يواجه عمليات إعادة الإعمار. وتعتبر هذه الكمية من الركام واحدة من أكبر الكوارث البيئية والحضرية التي شهدها العالم خلال القرن الحادي والعشرين.
إن الحديث عن مستقبل غزة لم يعد يقتصر على إعادة بناء المنازل، بل يتعداه إلى ضرورة ترميم كيان حي تم تفكيكه بالكامل. فالتحدي الذي يواجه الفلسطينيين اليوم يتطلب عقوداً من العمل المتواصل لاستعادة البنية التحتية ومحو آثار سياسة 'الإبادة المكانية' التي تعرضوا لها.
المصدر:
القدس