آخر الأخبار

فلسطين والبحر: تاريخ اجتماعي وذاكرة مائية مغيبة قبل 1948

شارك

تختزل حكاية شبان قرية 'طيرة اللوز' الذين أطلقوا الرصاص نحو موج البحر الهائج قبل النكبة، عمق العلاقة الوجدانية والارتباك التاريخي بين الفلسطيني وبيئته المائية. هذه القصة التي يرويها جمال أبو غيدة عن أجداده، لم تكن مجرد طرفة، بل تعكس طبقة من الوعي الشعبي الذي كان يرى في البحر 'مكاناً ميتافيزيقياً' مهيباً يستحق المواجهة أو الاسترضاء.

يرى الباحث في التاريخ الاجتماعي، علي حبيب الله أن الذاكرة الفلسطينية المعاصرة تعاني مما وصفه بـ 'جفاف شرايين الماء'. فبينما طغت مفردات الجبل والزيتون والكوفية على السردية الوطنية، ظل النصف الآخر من فلسطين، المتمثل في الصيادين وزارعي الأرز وأصحاب الطواحين المائية، مغيباً خلف الخطاب البصري الجبلي.

كانت البيئات المائية في فلسطين، من نهر الأردن إلى العوجا والمقطع، تشكل نسيجاً اجتماعياً وثقافياً متكاملاً قبل عام 1948. ولم تكن هذه المجاري المائية مجرد معالم جغرافية، بل كانت محركاً للحياة اليومية وقوانين غير مكتوبة تنظم العيش المشترك بين القرى والمدن الساحلية والداخلية.

في بحيرة طبريا، كانت سمكة 'البربوت' تجسد تعايش الأديان بأسماء ثلاثة عفوية؛ فهي 'البلطي' للمسلمين، و'مار بطرس' للمسيحيين، و'موسى' لليهود الطبرانيين الأصليين. هذا التعدد اللساني يعكس كيف تغلغل الماء في تفاصيل الهوية الثقافية والدينية للسكان قبل أن يمزق التهجير القسري تلك الروابط.

طقوس قرية 'الزيب' الساحلية تقدم نموذجاً فريداً للشراكة بين الإنسان والبحر، حيث كان 'البُقبق' طقساً أساسياً في الأفراح. كان الأهالي يسكبون أول قدر من الأرز المطبوخ في الموج لإطعام السمك، في إشارة رمزية لـ 'العيش والملح' الذي يربط المجتمع المحلي ببيئته البحرية المعطاءة.

صناعة شباك الصيد كانت بحد ذاتها عملية تقنية معقدة تربط بين نبات الأرض وكائنات البحر، حيث كانت تُغزل يدوياً من شعر الخيل تحت ظلال أشجار الزنزلكت. هذه الممارسات اندثرت مع وقوع النكبة، التي لم تهدم البيوت فحسب، بل مزقت خيوط الشباك وجففت الحكايا المرتبطة بها.

يوضح حبيب الله أن الفلسطيني، رغم قربه من الساحل، ظل يحمل عقلية 'الفلاح' حتى في تعامله مع البحر، ولم يتحول بالكامل إلى 'ملاح'. هذا التوتر أنتج إرثاً من التمائم والأهازيج التي تعكس الخوف من المجهول المائي، وهو ما يفسر بقاء الذاكرة مرتبطة بالأرض أكثر من إبحارها في عمق المتوسط.

النكبة لم تكن مجرد هدم للمباني، بل ضربت أركيولوجيا المعنى في أدق تفاصيل الحياة اليومية التي ربطت الفلسطيني بالماء.

المطبخ الفلسطيني الساحلي كان جسراً للذاكرة حتى في الشتات، حيث يستذكر اللاجئون أطباق 'الصيادية' وسمك 'السلطان إبراهيم'. هذه العلاقة لم تكن سياحية، بل كانت 'علاقة مائدة ولسان' تربط المهجرين بمدنهم الأصلية مثل حيفا ويافا عبر نكهات لا تزال تقاوم النسيان.

في الأغوار وضفاف الأنهار، ساد عرف اجتماعي يُعرف بـ 'حُرمة النهر'، وهو ميثاق غير مكتوب يحدد كيفية استخدام المياه وحمايتها. واعتبر السكان أي تدخل استعماري لتحويل مجاري المياه، كما حدث في مشاريع سحب مياه العوجا، انتهاكاً مزدوجاً للمقدس المائي ولمصدر الرزق التاريخي.

تاريخ زراعة الأرز في فلسطين يعد من الحقائق المغيبة، حيث كانت مناطق الحولة وبيسان تشتهر بـ 'رز بانياس'. وتؤكد المصادر التاريخية أن الأرز كان محصولاً أصيلاً يُزرع على ضفاف الأنهار والبرك، قبل أن تهمش السردية الحديثة هذا الإرث وتصوره كمحصول مستورد من الخارج.

تجفيف بحيرة الحولة من قبل الحركة الصهيونية لم يكن مجرد مشروع هندسي أو بيئي، بل كان عملية 'اقتلاع لنمط حياة' كامل. فقد دمر المشروع بيئة 'الغوارنة' الذين عاشوا على صيد السمك وتربية الجاموس وصناعة الحصير من نبات البابير، محولاً إياهم إلى لاجئين بعيداً عن مياههم.

يعزو الباحث غياب الإرث المائي عن الذاكرة الجمعية إلى سبب جغرافي وسياسي؛ فمعظم الذين بقوا في الداخل الفلسطيني بعد النكبة هم سكان المناطق الجبلية. هذا الوجود الجبلي فرض فولكلوره الخاص في الغناء والمطبخ والزي، مما أدى إلى تضخم صورة الفلاح على حساب الصياد و'الغوراني'.

حضور البحر والنهر في الأدب والشعر الفلسطيني ظل في الغالب حضوراً رمزياً ومشعرناً، بعيداً عن واقع الناس الذين عاشوا الماء يومياً. ويرى حبيب الله أن استعادة هذا التاريخ تتطلب جهداً جماعياً لإعادة 'ري الذاكرة المجففة' والتعامل مع الجغرافيا كفاعل أساسي في تشكيل الوجدان الوطني.

إن إعادة الاعتبار لتاريخ فلسطين المائي ليست مجرد حنين للماضي، بل هي ضرورة لفهم أبعاد الصراع على المكان. فكل عين ماء أو نهر أو بحيرة كانت تدير حياة اجتماعية واقتصادية متكاملة، وضياع هذه التفاصيل يعني ضياع جزء أصيل من الرواية التاريخية للشعب الفلسطيني فوق أرضه.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا