خرج الأسير علي السمودي من غياهب السجون محاولاً استجماع قواه المنهكة، ليروي بمرارة تفاصيل تجربة قاسية وصفها بالجحيم الحقيقي الذي لا يمكن للكلمات وصفه. وتكشف شهادته وشهادات رفاقه عن واقع مأساوي يعيشه آلاف الأسرى الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر، حيث تحولت غرف الاحتجاز إلى ساحات للانتقام الممنهج الذي يمارسه جيش الاحتلال بعيداً عن أعين الرقابة الدولية.
وتشير المعطيات الصادمة الصادرة عن مؤسسات الأسرى إلى ارتقاء نحو 90 شهيداً داخل المعتقلات منذ بدء الحرب، قضوا نتيجة سياسة 'القتل البطيء' والإهمال المتعمد. ويروي ناجون لحظات قاسية لرفاق قضوا في الزنازين بينما كان السجانون يراقبون احتضارهم بدم بارد، في مشهد يعكس تجرد إدارة السجون من أدنى المعايير الإنسانية والقانونية في التعامل مع المعتقلين.
الانتهاكات لم تتوقف عند حدود الضرب المبرح، بل امتدت لتشمل إجراء تداخلات جراحية معقدة للأسرى دون استخدام أي نوع من أنواع التخدير الطبي، مما يحول غرف العلاج إلى مسالخ بشرية. كما وثقت الشهادات استخدام الاعتداءات الجنسية والتهديد بالاغتصاب كأدوات لانتزاع الاعترافات وتحطيم الروح المعنوية للأسرى، بالإضافة إلى ممارسات مهينة تشمل التبول على المعتقلين والشتم المتواصل.
وعلى صعيد آخر، تتبع إدارة السجون سياسة 'إفراغ الأمعاء' عبر تجويع الأسرى بشكل ممنهج، مما أدى إلى فقدان المعتقلين لعشرات الكيلوغرامات من أوزانهم وظهورهم بأجساد هزيلة تشبه الهياكل العظمية. هذه السياسة ترافقت مع عزل تام عن العالم الخارجي، حيث تُوصد الأبواب أمام المنظمات الحقوقية الدولية، في حين تُفتح لوسائل الإعلام الإسرائيلية لتصوير هذه المعاناة كإنجازات سياسية لوزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير.
يُعد ملف الأسرى ركيزة أساسية في تاريخ الصراع الفلسطيني، إلا أن المرحلة الحالية تُصنف بأنها الأشد دموية وقسوة منذ عام 1967. فالسجون التي كانت يوماً ساحات للمواجهة والإضرابات، باتت اليوم مكاناً يُسلب فيه الأسير أبسط حقوقه في البقاء، وسط مخاوف حقيقية من استمرار هذه الجرائم في ظل الصمت الدولي المطبق وتصاعد وتيرة التحريض الإسرائيلي الرسمي.
المصدر:
القدس