تتصاعد حالة من الترقب والجدل في الأوساط السياسية حول ما يعرف بـ 'خطة ملادينوف' المقترحة لإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب. وتصطدم هذه الخطة بتجاذبات حادة تتعلق بشرط نزع سلاح المقاومة، وهو ما تراه أطراف فلسطينية محاولة لتجريد الشعب من عناصر قوته الوطنية تحت غطاء البحث عن أفق سياسي.
أبدى المدير التنفيذي لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، جاهزية 'اللجنة الوطنية' لتسلم مهام الحكم في القطاع، لكنه وضع شرطاً مثيراً للجدل يتمثل في نزع السلاح كمدخل لمشاركة حركة حماس سياسياً. وفي المقابل، تؤكد مصادر فلسطينية أن الأولوية يجب أن تكون لتحديد الجهة التي تعرقل وصول المساعدات وتغلق المعابر، في إشارة واضحة لتعنت الاحتلال الإسرائيلي.
يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن المطالبة بتنحي حماس قبل ضمان وصول البديل الفعلي على الأرض تثير تساؤلات حول الجدوى والهدف الحقيقي. وأوضحت مصادر أن الاحتلال هو الطرف الذي يمنع دخول اللجنة الوطنية والقوات الدولية، رغم إبداء القوى الوطنية جاهزية كاملة لتسليم الإدارة للجنة 'تكنوقراط' متفق عليها.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن إسرائيل تمارس تضليلاً ممنهجاً للرأي العام العالمي فيما يخص ملف المساعدات الإنسانية. فبينما يزعم ملادينوف دخول 600 شاحنة يومياً، تؤكد التقارير الميدانية أن ما يصل فعلياً لا يتجاوز 200 شاحنة، مما يفاقم الأزمة المعيشية الخانقة التي يعيشها سكان القطاع.
على صعيد الالتزام بالاتفاقات، يظهر الجانب الفلسطيني التزاماً ببنود التهدئة، بينما يواصل جيش الاحتلال خروقاته اليومية التي لم تتوقف. وقد أسفرت هذه الاعتداءات عن ارتقاء نحو 900 شهيد منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى استمرار عمليات قضم الأراضي خلف 'الخط الأصفر'.
في الداخل الإسرائيلي، يبدو أن حكومة اليمين غير معنية بنجاح أي اتفاق يؤدي لدخول اللجنة الوطنية، لأن ذلك سيسحب منها ذريعة استمرار الحرب. ويرى خبراء في الشأن الإسرائيلي أن السلوك العسكري شرقي 'الخط الأصفر' وبناء القواعد الثابتة يؤكد رغبة الاحتلال في البقاء الدائم وليس الانسحاب.
يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإجهاض أي تحرك يمهد لعودة السلطة الفلسطينية أو يفتح أفقاً لحل الدولتين. ويستخدم نتنياهو مسار 'نزع السلاح' كأداة لتعطيل المسارات السياسية، وضمان استمرار حالة الحرب التي تخدم بقاءه السياسي وتطلعات اليمين المتطرف في حكومته.
الموقف الأمريكي لا يبدو بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية، حيث تعتبر واشنطن أن نزع سلاح حماس شرط لا غنى عنه لأي خارطة طريق مستقبلية. وترى الإدارة الأمريكية أن انعدام الثقة في بقاء الحركة مسلحة هو العائق الأكبر أمام انتشار قوات الاستقرار الدولية، رغم تعيين قيادة لهذه القوات.
تصر واشنطن وتل أبيب على مغادرة حماس للمشهد السياسي والعسكري تماماً، مستخدمة أحداث السابع من أكتوبر كذريعة للتمسك بالوجود العسكري الإسرائيلي. هذا الإصرار يضع أي مبادرات دولية في مأزق، حيث يتم تجاهل الحقوق الوطنية الفلسطينية لصالح المطالب الأمنية للاحتلال.
ردت القوى الوطنية الفلسطينية على مقترح نزع السلاح بالتأكيد على أنه مطلب إسرائيلي يهدف لتحقيق مكاسب عسكرية فشل الاحتلال في انتزاعها بالميدان. وأوضحت المقاومة أنها أبدت مرونة لمناقشة 'توحيد السلاح' ضمن جيش وطني، ولكن فقط في إطار مسار سياسي واضح يفضي لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
تعتبر التحركات الأخيرة لملادينوف بمثابة توفير غطاء سياسي قد يمهد لاستئناف حرب الإبادة الجماعية تحت مسميات جديدة. ويتلاقى هذا مع إصرار الاحتلال على تثبيت وجوده العسكري وقضم المزيد من المساحات الجغرافية، مما يضع مصداقية المجتمع الدولي والاتفاقات الموقعة على المحك.
يُذكر أن قطاع غزة تعرض لحرب إبادة جماعية شاملة بدأت في أكتوبر 2023، خلفت دماراً هائلاً طال 90% من البنية التحتية المدنية. ومع وصول عدد الشهداء إلى أكثر من 72 ألفاً، تقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار، في ظل واقع إنساني هو الأصعب عالمياً.
المصدر:
القدس