تتجاوز المواجهة الفلسطينية مع الاحتلال حدود الميدان العسكري لتصل إلى صراع عميق على الرواية والوجود التاريخي. وتأتي تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي تنفي وجود الشعب الفلسطيني كجزء من منهج سياسي يهدف إلى مصادرة الحق في تعريف الذات وتوثيق الجذور.
في هذا السياق، كشفت مصادر صحفية عن عملية سرية معقدة استمرت قرابة عشرة أشهر لإنقاذ ملايين الوثائق التاريخية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا). هذه الوثائق تمثل السجل المدني والاجتماعي لملايين اللاجئين الذين هُجروا من ديارهم إبان نكبة عام 1948.
تضمنت السجلات التي جرى إنقاذها بطاقات تسجيل أصلية، وشهادات ميلاد، ووثائق زواج ووفاة توثق أصول العائلات الفلسطينية وقراها المدمرة. ووصف مسؤولون في الوكالة هذه الخطوة بأنها ضرورية لمنع كارثة تاريخية كانت ستؤدي إلى ضياع الأدلة القانونية على الوجود الفلسطيني.
جرت عمليات تهريب الوثائق من مدينة غزة تحت ظروف أمنية بالغة الخطورة، حيث خاطر الموظفون بحياتهم للوصول إلى المقرات تحت القصف. ونُقلت الصناديق تدريجياً من غزة إلى رفح، ومن ثم عبر الحدود إلى مصر وصولاً إلى مراكز الحفظ في الأردن.
بالتوازي مع ذلك، نُقل أرشيف القدس الشرقية سراً عقب تصاعد الضغوط الإسرائيلية والهجمات التي استهدفت مقرات الوكالة الدولية. وتأتي هذه التحركات الاستباقية قبل دخول قوانين إسرائيلية حيز التنفيذ في يناير 2025، والتي تقضي بحظر أنشطة الأونروا بشكل كامل.
بدأت في العاصمة الأردنية عمان عملية ضخمة لرقمنة نحو 30 مليون وثيقة تاريخية لضمان بقائها متاحة للأجيال القادمة. ويهدف هذا المشروع إلى تمكين كل لاجئ من الوصول إلى شجرة عائلته وبناء خرائط توثق مسارات التهجير القسري التي تعرض لها الشعب الفلسطيني.
على الصعيد القانوني الدولي، برزت تطورات هامة بقرار قاضٍ فيدرالي أمريكي تعليق العقوبات التي فرضتها إدارة واشنطن على فرانشيسكا ألبانيز. وكانت المقررة الأممية قد تعرضت لمضايقات قانونية ومالية بسبب مواقفها المعلنة ضد الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة.
اعتبر القضاء الأمريكي أن العقوبات التي استهدفت ألبانيز كانت تهدف على الأرجح إلى معاقبتها على مضمون خطابها السياسي. وكانت ألبانيز قد طالبت المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في جرائم حرب محتملة ارتكبها مسؤولون إسرائيليون وأمريكيون خلال النزاع الأخير.
وفي بريطانيا، انتقل السجال حول الهوية والعدوان إلى الساحة العامة بدخول شخصيات بارزة مثل الأمير هاري على خط النقاش. وأكدت مصادر أن النقاش البريطاني لا يزال محكوماً بحذر شديد لتجنب الخلط المتعمد بين نقد سياسات الدول وبين معاداة السامية.
شدد الأمير هاري في تصريحاته على مشروعية الاحتجاج ضد أفعال الدول التي تثير تساؤلات جدية بموجب القانون الإنساني الدولي. ومع ذلك، لوحظ استخدام لغة دبلوماسية حذرة تتجنب تسمية الأطراف صراحة، مما يعكس حجم القيود المفروضة على الخطاب العام في الغرب.
تؤكد هذه المسارات المتعددة أن محاولات محو الهوية الفلسطينية لا تقتصر على القصف المادي، بل تمتد لتشمل الحصار القانوني واللغوي. ويجد الفلسطيني نفسه في معركة مستمرة لإثبات البديهيات التاريخية وحماية حقه في سرد قصته بعيداً عن التشويه أو الإلغاء.
المصدر:
القدس