آخر الأخبار

مريم مرعي: سيرة فلسطينية من نكبة عكا إلى الريادة النسوية

شارك

تجسد سيرة الدكتورة مريم مرعي، ابنة مدينة عكا، مسيرة المرأة الفلسطينية العصامية التي واجهت تداعيات النكبة منذ طفولتها المبكرة. ولدت مرعي في مدينة الأسوار قبل عامين من وقوع التهجير الكبير، الذي شتت عائلتها وأضاع وثائق ميلادها في زحام الرحيل القسري.

تروي مرعي تفاصيل لجوء عائلتها إلى بلدة البعنة في الجليل ثم إلى مخيم برج البراجنة في لبنان، حيث عاشت سنوات من الغربة بعيداً عن والدها الذي أصر على البقاء في عكا. وتستذكر تلك اللحظات القاسية حين كانت تظن شقيقها الأكبر هو والدها، قبل أن تعود العائلة عبر إجراءات 'لم الشمل' وتلتقي بالأب مجدداً.

عقب العودة، واجهت مريم واقعاً جديداً في عكا، حيث أقامت العائلة في بيت ضيق بدلاً من منزلهم الأصلي الذي صودر. وتصف مرعي تلك الفترة بصمت والدتها الموجع ودعواتها المستمرة بلم شمل من تبقى من الأبناء في الشتات، وهو ما تعتبره من أعراض صدمة ما بعد الكرب.

بدأت مسيرتها التعليمية في مدارس عكا الحكومية التي تصفها بالكابوس بسبب الازدحام والقسوة، قبل أن تنتقل بفضل إصرار شقيقتها منيرة إلى مدرسة راهبات الناصرة. هناك تلقت تعليماً نوعياً جمع بين المناهج الحديثة والتربية الدينية والعربية التي تكفل بها والدها في المنزل.

شكل شقيقها عبد الله المقيم في لبنان دافعاً كبيراً لاستكمال تعليمها، حيث أرسل رسالة لوالده يحثه فيها على السماح لمريم بالدراسة في حيفا. أكد شقيقها في رسالته أن العلم هو السلاح الأهم للفلسطينيين، وهو ما أقنع الوالد بتجاوز تحفظاته الاجتماعية آنذاك.

انتقلت مريم إلى جامعة حيفا عام 1967، حيث تخصصت في التربية وعلم النفس والفنون، وهناك تعرفت على زوجها الراحل الدكتور سامي مرعي. رافقته في رحلة أكاديمية إلى الولايات المتحدة والبرازيل، حيث واصل كلاهما التحصيل العلمي في تخصصات دقيقة تخدم المجتمع الفلسطيني.

عادت العائلة إلى البلاد في الثمانينيات، لكن مريم فُجعت بوفاة زوجها سامي بشكل مفاجئ عام 1986 أثناء إجراء فحص طبي روتيني في القدس. تصف مرعي هذا الرحيل بأنه 'صدمة العمر'، خاصة أنه جاء في وقت كانا يستعدان فيه للاحتفال بمئوية والدها.

حين اجتمعت النساء بدأ الحلم يتحقّق؛ العلم هو سلاحنا الأهم الذي كان سيغير مجرى النكبة لو امتلكناه حينها.

لم تستسلم مريم للحزن، بل انخرطت في العمل الأكاديمي كمحاضرة في جامعة حيفا لعشر سنوات، وساهمت في تأسيس مشاريع وطنية رائدة. كان من أبرز هذه المشاريع جمعية 'النساء العكيات' التي هدفت إلى تمكين المرأة الفلسطينية في الداخل المحتل وتعزيز دورها الاجتماعي.

أسست مرعي مشروع 'دار الطفل العربي'، وهي مؤسسة مختصة بإعداد مربيات الطفولة المبكرة، انطلاقاً من إيمانها بضرورة الحفاظ على الهوية اللغوية. وترى أن تعلم اللغات الأجنبية يجب ألا يكون على حساب اللغة العربية الأم، وهو المبدأ الذي قامت عليه فروع المؤسسة.

يوثق كتابها الجديد 'حين اجتمعت النساء بدأ الحلم يتحقّق' نضالات النساء الفلسطينيات في مدينة عكا وقصص نجاح المؤسسات الأهلية. ويعد الكتاب إضافة هامة للمكتبة الفلسطينية، حيث يمزج بين التجربة الشخصية والتوثيق التاريخي للعمل النسوي تحت الاحتلال.

أصدرت الدكتورة مريم تسعة كتب باللغتين العربية والإنجليزية، تناولت فيها مواضيع تربوية وأدبية، بالإضافة إلى تخليد إرث زوجها الراحل سامي مرعي. وتعتبر أن زوجها كان ملهماً لها في مسيرتها التأليفية التي شملت أدب الأطفال وكتباً مرجعية للحاضنات.

بعد سنوات طويلة من الغربة، تزوجت مريم من رجل الأعمال الأمريكي جون ريان، الذي شارك في حملات طبية إنسانية لعلاج الجرحى والمصابين في الضفة الغربية. وتؤكد أن زواجها الثاني منحها الاستقرار والحياة السعيدة، مع الحفاظ على روابطها الوثيقة بجذورها الفلسطينية.

عادت مريم للاستقرار نهائياً في عكا قبل نحو عام، رغم تساؤلات البعض عن سبب تركها لـ 'بلاد الفرص' في أمريكا. وتجيب مريم بأن تفاؤلها وارتباطها بالأرض هو ما دفعها للعودة والبدء في مشروع كتاب جديد يتناول تاريخ مدينة عكا وسيرتها الذاتية.

تعمل الدكتورة مريم حالياً على كتابة سيرتها الذاتية باللغة الإنجليزية تحت عنوان 'ستون عاماً في يوم واحد'. وتهدف من خلال هذا العمل إلى نقل الرواية الفلسطينية للعالم، مؤكدة أن الحلم يبدأ بالتحقق عندما تجتمع الإرادة النسوية مع الوعي الوطني.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا