آخر الأخبار

المؤتمر الثامن لفتح: تحديات مصيرية وإجابات عملية للقضية الفل

شارك

د. دلال عريقات: "فتح" كحركة تحرر تاريخياً مطالبة باستعادة دورها وإرثها برؤية عصرية تستجيب للتحولات الدولية وتطلعات الجيل الفلسطيني الجديد
عوني المشني: التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني كبيرة والمؤتمر لا يمتلك إجابات عملية لهذا الواقع ومخرجاته ستكون عبارات فضفاضة وخطابًا تقليديًا
عبد الغني سلامة: بحث الأطر الفلسطينية بما فيها المؤتمر الثامن إنهاء أوسلو بحاجة لبدائل واضحة لأن تداعياته ستمس مستقبل القضية الفلسطينية برمتها
د. رائد الدبعي: المرحلة الحالية تعكس انتقالاً تدريجياً من إدارة السلطة إلى إدارة مشروع تحرر وطني يستوجب استعادة البعد التحرري لحركة "فتح"
ماجد هديب: من المتوقع أن تتجه "فتح" نحو إعادة بناء النظام السياسي وإحياء دور منظمة التحرير باعتبارها الممثل الجامع للشعب الفلسطيني
محمد هواش: المؤتمر تقع على عاتقه بلورة برنامج سياسي للتعامل مع المشروع الإسرائيلي وتوفير أدوات فاعلة لتجديد الأطر القيادية بالانتخابات الشاملة


رام الله – خاص بـ"القدس"–


ينعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح اليوم، في واحدة من أكثر المراحل السياسية التي يمر بها الشعب الفلسطيني تعقيدًا وحساسية، وسط تحديات متراكمة تفرض نفسها على أجندته، تبدأ من تصاعد التوجهات الإسرائيلية الهادفة إلى تقويض السلطة الفلسطينية ومحاولات إنهاء اتفاق أوسلو وتوسيع الاستيطان، ولا تنتهي عند الأزمات الداخلية الفلسطينية، ما يضع الحركة أمام استحقاق سياسي وتنظيمي يتجاوز حدود إعادة ترتيب البيت الداخلي إلى البحث عن إجابات عملية لمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني.
ويؤكد كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث مع "القدس"، أن أمام المؤتمر جملة من التحديات الجوهرية، في مقدمتها صياغة رؤية سياسية قادرة على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، وإعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل في ظل تصاعد سياسات الضم وإنهاء حل الدولتين، إلى جانب البحث في مستقبل اتفاق أوسلو وإمكانات التعامل مع محاولات اليمين الإسرائيلي التنصل منه أو إلغائه، في ظل عدم امتلاك بدائل واضحة قد تضمن استقرار النظام السياسي الفلسطيني وتحافظ على المؤسسات الوطنية من الانهيار.
كما يواجه المؤتمر بحسب الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، تحديًا داخليًا لا يقل تعقيدًا، يتمثل في قدرته على الانتقال من الطابع الانتخابي والتنظيمي إلى إنتاج مخرجات سياسية واستراتيجية حقيقية، تعالج أزمات الانقسام، وتعيد بناء الثقة الشعبية، وتبلور برنامجًا وطنيًا موحدًا يعزز الصمود الفلسطيني، ويوازن بين الحفاظ على مؤسسات السلطة الفلسطينية واستعادة البعد التحرري للحركة، في ظل تصاعد الضغوط الإسرائيلية وتراجع فرص التسوية السياسية التقليدية.


تحديات إلغاء أوسلو

تعتبر أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية د.دلال عريقات أن تحركات الكنيست الإسرائيلي باتجاه الدفع لإلغاء اتفاق أوسلو لا تمثل مجرد خطوة قانونية أو سياسية داخلية، بل تعكس محاولة استصدار إعلان عملي عن نهاية مرحلة انتقالية استُخدمت لعقود لإدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بدل حله، الأمر الذي يضع حركة فتح أمام "لحظة مراجعة تاريخية" لمستقبل دورها الوطني.
وتوضح أن تزامن ذلك مع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة "فتح" لا يقتصر على إعادة ترتيب البنية التنظيمية للحركة، بل يفترض أن ينتج رؤية وطنية جديدة تتجاوز منطق إدارة السلطة، نحو إعادة تعريف وظيفة النظام السياسي الفلسطيني في ظل واقع يتسم بتصاعد الاستيطان، وسياسات الضم، والتوترات الميدانية، ومحاولات تقويض حل الدولتين.
وتؤكد عريقات أن المخرجات المتوقعة للمؤتمر يجب أن تشمل إعادة صياغة العلاقة مع إسرائيل باعتبارها قوة احتلال وليست شريكاً في عملية سلام، إلى جانب تجديد الشرعية الوطنية عبر مسارات ديمقراطية تعزز ثقة الشارع الفلسطيني، وتطوير أدوات المقاومة بما يشمل المسارات السياسية والدبلوماسية والقانونية والاقتصادية، إضافة إلى تعزيز الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام باعتباره ثغرة استراتيجية تمس المشروع الوطني.

أهمية تمكين الشباب والنساء

وتشدد عريقات على أهمية تمكين الشباب والنساء داخل الحركة ومؤسسات صنع القرار، إلى جانب إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الجامع والمرجعية الأساسية للمشروع الوطني الفلسطيني.

المؤتمر أمام مرحلة مفصلية

وترى عريقات أن المؤتمر ينعقد في مرحلة مفصلية تتسم بتحولات إقليمية ودولية عميقة، مع وجود حكومة إسرائيلية تتبنى سياسات الضم والتهجير بشكل معلن، ما يفرض على الفلسطينيين الانتقال من حالة إدارة الأزمة إلى بناء مشروع تحرر وطني متكامل وطويل الأمد.
وتؤكد عريقات أن التحدي الجوهري لا يكمن فقط في توصيف المخاطر، بل في امتلاك الإرادة السياسية اللازمة للانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي، عبر صياغة استراتيجية وطنية موحدة تجمع بين الصمود السياسي والاقتصادي والمجتمعي، واستعادة ثقة الشارع عبر الإصلاح والشفافية والمشاركة، وتفعيل الدبلوماسية الفلسطينية والرواية الوطنية في الفضاء الدولي.

ضرورة توحيد الجغرافيا السياسية الفلسطينية

وتشدد عريقات على ضرورة توحيد الجغرافيا السياسية الفلسطينية بين الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس ضمن رؤية وطنية واحدة، والانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة مشروع تحرر وطني شامل، مؤكدة أن حركة فتح، بوصفها تاريخياً حركة تحرر قادت المشروع الوطني، مطالبة اليوم باستعادة هذا الدور والإرث برؤية عصرية تستجيب للتحولات الدولية وتطلعات الجيل الفلسطيني الجديد.

مفهومان متناقضان يطرحهما المؤتمر

يرى الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن المؤتمر الثامن لحركة "فتح" يطرح مفهومين متناقضين؛ الأول فرصة حقيقية للمراجعة السياسية والتنظيمية واستخلاص الدروس من المرحلة السابقة بهدف صياغة استراتيجيات جديدة، والثاني لا يتجاوز كونه عملية "إعادة تدوير للنخب التنظيمية" دون أثر جوهري على مسار الحركة أو النظام السياسي الفلسطيني.
ويوضح المشني أن طريقة التحضير للمؤتمر، إلى جانب توجهات غالبية المشاركين، تشير إلى أنه يميل ليكون مؤتمرًا انتخابيًا بالدرجة الأولى، في حين يتم التعامل مع البعد السياسي باعتباره نقاشًا بروتوكوليًا أو "حوارًا شكليًا"، ما يحدّ من إمكانية إنتاج مخرجات استراتيجية حقيقية.

إمكانية تكرار سيناريوهات النتائج

ويرى المشني أن النتائج المتوقعة للمؤتمر لا تتجاوز، في أفضل الأحوال، بيانًا عامًا يتضمن عبارات تقليدية وكليشيهات سياسية مكررة، لن يكون لها تأثير ملموس على مجريات العمل السياسي بعد انتهاء المؤتمر، مشيرًا إلى أن هذا النمط سبق تكراره في مؤتمرات سابقة دون تغيير فعلي في آليات صنع القرار.
ويلفت المشني إلى أن السياسات الفلسطينية تُرسم فعليًا من قبل مجموعة محدودة لا تنتظر مخرجات المؤتمرات الداخلية لتعديل مسارها، ما يجعل تأثير المؤتمر على القرار السياسي ضعيفًا أو شبه معدوم.
ويعتبر المشني أن انعقاد المؤتمر في ظل صراع إقليمي ودولي متسارع، يشهد تحولات جيوسياسية عميقة في المنطقة والعالم، لا يبدو خطوة محسوبة، متسائلًا عن قدرة المؤتمر على صياغة سياسات أو تحديد مسار استراتيجي دون انتظار نتائج هذا الصراع المفتوح.
ويرى المشني أن هذا التوقيت يعكس، في جوهره، أن المؤتمر ليس سياسيًا بقدر ما هو "بازار انتخابي"، في ظل غياب رؤية استراتيجية قادرة على التعامل مع المتغيرات الإقليمية.

مخرجات قد لا تقدم إجابات حقيقية وعملية

ويشير المشني إلى أن التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني كبيرة لا تقتصر على قرارات الضم أو إنهاء اتفاق أوسلو، بل تشمل أيضًا أزمة اقتصادية متفاقمة، وحرب تهجير وإبادة في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب توسع الاستيطان، ومخرجات المؤتمر من غير المتوقع أن تقدم إجابات حقيقية وعملية على هذه التحديات وهذا الواقع.
ويعتقد المشني أن ما سيصدر عن المؤتمر لن يتعدى عبارات فضفاضة وخطابًا تقليديًا سرعان ما يتلاشى أثره بعد ساعات من انتهاء أعماله، معتبرًا أن المرحلة الحالية لا تشير إلى حل للأزمة بقدر ما تعكس تعميقًا لها.

إلغاء أوسلو.. ضمن مشروع أوسع لليمين الإسرائيلي

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي عبد الغني سلامة أن التوجهات المتصاعدة داخل اليمين الإسرائيلي نحو التنصل من اتفاقية أوسلو، وصولاً إلى محاولة إلغائها رسمياً، تأتي في سياق مشروع أوسع يتبناه اليمين الحاكم يقوم على ما يصفه بـ"تصحيح الأخطاء التاريخية لإسرائيل"، معتبراً أن هذا التوجه لا يقتصر على أوسلو وحدها، بل يشمل مجمل الملفات المرتبطة بالقضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني.

اليمين الإسرائيلي ومحاولة التخلص من "الأخطاء"

ويوضح سلامة أن اليمين الإسرائيلي ينظر إلى عدد من المحطات التاريخية باعتبارها "أخطاء" ينبغي تصويبها، وفي مقدمتها عدم تهجير الفلسطينيين الذين بقوا داخل أراضي عام 1948، والذين باتوا يشكلون، وفق الرؤية الإسرائيلية اليمينية، تحدياً ديموغرافياً متزايداً.
ويشير سلامة إلى أن اليمين الإسرائيلي يعتبر بقاء الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد عام 1967 خطأً آخر، إلى جانب استمرار عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وما يرتبط بها من ملف حق العودة، في ظل محاولات إسرائيلية–أميركية متواصلة لتقليص دور الوكالة أو إنهائه.
ويلفت سلامة إلى أن اتفاق أوسلو يحتل موقعاً مركزياً في هذا السياق، إذ يُنظر إليه داخل أوساط اليمين الإسرائيلي باعتباره "خطيئة تاريخية" ارتكبها إسحاق رابين والتيار اليساري في إسرائيل، ما يدفع الحكومة الحالية إلى محاولة التراجع عنه أو تفريغه من مضمونه.

إلغاء أوسلو ليس خطوة سهلة

ورغم ذلك، يشدد سلامة على أن إلغاء أوسلو ليس خطوة سهلة أو قراراً يمكن أن يُحسم بتصويت داخل الكنيست فقط، نظراً لارتباط الاتفاق باعتبارات تتجاوز الداخل الإسرائيلي، تشمل الاستراتيجية الإسرائيلية بعيدة المدى، والتوازنات الجيوسياسية الإقليمية، فضلاً عن الرعاية الأميركية والضمانات الدولية والأوروبية التي رافقت توقيعه، ما يجعل أي تغيير جذري فيه رهناً بموافقات وتفاهمات أوسع.

قرارات فلسطينية حول أوسلو لم تنفذ بالفعل

وفي ما يتعلق بالموقف الفلسطيني، يشير سلامة إلى أن مؤسسات فلسطينية رسمية، وفي مقدمتها المجلس المركزي الفلسطيني، اتخذت خلال السنوات الماضية قرارات تتعلق بإعادة النظر في الالتزامات الناجمة عن أوسلو، من بينها وقف التنسيق الأمني، إلا أن معظم هذه القرارات لم تُنفذ فعلياً، لافتاً إلى أن المؤتمر الثامن وقراراته في هذا السياق مهمة أيضاً.
ويرى سلامة أن السلطة الفلسطينية تواجه أزمة سياسية واقتصادية عميقة تحدّ من قدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية من هذا النوع، موضحاً أن بحث الأطر الفلسطينية بما فيها المؤتمر الثامن، قضية إنهاء أوسلو يتطلب وجود بدائل واضحة، لأن تداعياته ستمس مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
ويتوقع سلامة استمرار الوضع القائم خلال المرحلة المقبلة، بحيث يبقى اتفاق أوسلو قائماً شكلياً دون تنفيذ استحقاقاته الأساسية من أي طرف، في ظل غياب حالة سلم أو حرب شاملة، وتعثر المفاوضات، إلى حين حدوث تغييرات أوسع في موازين القوى الإقليمية والدولية، تشمل ملفات كالحرب الروسية–الأوكرانية والتوتر الأميركي–الإيراني وإعادة ترتيب الشرق الأوسط.
ويؤكد سلامة أن الحفاظ على السلطة الفلسطينية يمثل أولوية وطنية في المرحلة الحالية، باعتبارها تجسيداً للهوية السياسية والكيانية الفلسطينية، إلى جانب دورها الأمني والاجتماعي والاقتصادي في دعم صمود الفلسطينيين على أرضهم.

المؤتمر أمام الإجابة عن أسئلة مركزية

يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية د.رائد الدبعي أن انعقاد المؤتمر الثامن لحركة "فتح" يأتي في واحدة من أكثر المراحل السياسية حساسية منذ توقيع اتفاق أوسلو، في ظل مؤشرات متزايدة على تآكل هذا الاتفاق على الأرض وما يجري الحديث عنه بشأن التصويت في الكنيست على إلغاء الاتفاق، رغم كونه جاء برعاية دولية وأميركية، يعكس تصاعد خطاب اليمين الديني المتطرف داخل الكنيست واتجاهه نحو نفي الوجود الفلسطيني واعتبار كامل الأرض "أرض إسرائيل".
ويوضح الدبعي أن هذا الواقع يفرض على المؤتمر الإجابة عن أسئلة مركزية تتعلق بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، وأشكال المقاومة، والوحدة الوطنية، وتعزيز الصمود، إضافة إلى إعادة تعريف العلاقة بين حركة فتح والسلطة الفلسطينية، وهوية الحركة، ونظامها الداخلي، وبرنامجها السياسي للمرحلة المقبلة، فضلاً عن مستقبل العلاقة مع إسرائيل على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، في ظل استمرار الاستيطان والضم والاقتحامات ومحاولات إضعاف السلطة الفلسطينية.

أهمية استعادة البعد التحرري لـ"فتح"

ويشير الدبعي إلى أن المرحلة الحالية تعكس انتقالاً تدريجياً من إدارة السلطة إلى إدارة مشروع تحرر وطني، يستوجب استعادة البعد التحرري لحركة فتح، في ظل التحولات الإسرائيلية التي تتجه نحو إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية، مقابل مساعٍ فلسطينية لترتيب البيت الداخلي وتعزيز النظام السياسي.
ويرى الدبعي أن ما يجري داخل المؤتمر يميل إلى تغليب البعد الانتخابي والتنظيمي على حساب البعد البرامجي، ما يجعل من الصعب توقع حدوث اختراق جذري في البرنامج السياسي للحركة، مرجعاً ذلك إلى بنية المؤتمر التي يغلب عليها الطابع الوظيفي بشقيه الأمني والمدني، إلى جانب كثافة المرشحين لعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري، فضلاً عن قناعة القيادة بأن الظرف الحالي غير ملائم لتغييرات استراتيجية كبرى في ظل التحديات الإقليمية والدولية وضغوط الإصلاح الخارجية.

ضرورة تبني فتح سياسات جديدة

ويعتبر الدبعي أن الاهتمام الدولي والإقليمي بمخرجات المؤتمر سيتحدد من خلال مدى قدرة الحركة على تبني سياسات جديدة ترتقي لمتطلبات المرحلة، دون تغيير جوهري في الاستراتيجيات العامة، وإنما في أدوات العمل والبرامج وآليات التنفيذ.
ويؤكد الدبعي أن مواجهة مخرجات المؤتمر للتحديات يرتبط مباشرة بحجم ودور حركة فتح داخل النظام السياسي الفلسطيني وتاريخها وحضورها الواسع في المجتمع، موضحاً أن المؤتمر لا يناقش قضايا تنظيمية فقط، بل يواجه سؤالاً مصيرياً يتعلق بمستقبل المشروع الوطني في ظل محاولات إسرائيل طمس فكرة الدولة الفلسطينية، والتوسع الاستيطاني، والتحولات الإقليمية والدولية، وتراجع ثقة الأجيال الشابة بالأطر السياسية التقليدية.
ويؤكد الدبعي أن نجاح المؤتمر لن يُقاس فقط بنتائج الانتخابات الداخلية، بل بقدرته على تقديم إجابات عملية للسؤال المركزي: كيف يمكن إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني في مرحلة تستهدف فيها سياسات الاحتلال تفكيك أسسه السياسية والجغرافية.

لحظة حاسمة وحساسة

يوضح الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب أن انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح يأتي في لحظة حاسمة وحساسة في تاريخ القضية الفلسطينية، في ظل عاملين يفرضان نفسيهما بقوة على المشهد الفلسطيني؛ الأول يتمثل في التوجهات الإسرائيلية المتصاعدة نحو إنهاء الإطار السياسي لاتفاقية أوسلو، والثاني يتمثل في الحرب على قطاع غزة وما رافقها من متغيرات سياسية وميدانية، في ظل محاولات فصل القطاع عن الولاية القانونية والسياسية للسلطة الفلسطينية.

فتح.. العمود الفقري للنظام السياسي الفلسطيني

ويشير هديب إلى أن مخرجات المؤتمر المرتقبة يمكن قراءتها ضمن أربعة محاور رئيسية تشمل الأبعاد السياسية والتنظيمية والوطنية والمؤسساتية، مشيراً إلى أن حركة فتح لم تعد تُقرأ بوصفها تنظيماً سياسياً فحسب، بل باعتبارها العمود الفقري للنظام السياسي الفلسطيني، وصاحبة الدور المركزي في المشروع الوطني الفلسطيني، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بمستقبل السلطة والقضية الفلسطينية.

أهمية إعادة فتح تعريف خطابها السياسي

ويتوقع هديب أن تتجه حركة فتح نحو إعادة تعريف خطابها السياسي، عبر تبني لغة أكثر تشدداً تجاه الاحتلال الإسرائيلي، والانتقال من مفهوم التسوية القائمة على الحوار السياسي التقليدي إلى مسار يقوم على الدمج بين المواجهة السياسية والقانونية والدبلوماسية، من خلال تعزيز الحضور الفلسطيني في مؤسسات الأمم المتحدة، لا سيما المحاكم الدولية، وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية.

إعادة تشكيل موازين القوى داخل الحركة

ويرجح هديب أن يشهد المؤتمر إعادة تشكيل موازين القوى داخل الحركة من خلال انتخاب قيادة جديدة للجنة المركزية والمجلس الثوري، بما يعكس صعود جيل تنظيمي جديد يسعى إلى صياغة تحالفات داخلية وإعادة رسم معالم مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس، الأمر الذي قد يحد من تأثير القيادات التقليدية أو التاريخية في رسم سياسات المرحلة المقبلة.

مخرجات المؤتمر المحور الأكثر أهمية

ويعتبر هديب أن مخرجات المؤتمر تمثل المحور الأكثر أهمية، متوقعاً أن تتجه الحركة نحو إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وإحياء دور منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الجامع للفلسطينيين، إلى جانب الفصل الوظيفي بين مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وحركة فتح، مع تعزيز المقاومة الشعبية وتوسيع أدوات المواجهة السياسية والقانونية مع إسرائيل.

أهمية الحفاظ على مؤسسات السلطة

ويشير هديب إلى أهمية البعد المؤسساتي، معتبراً أن الحفاظ على مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنع انهيارها يشكل أولوية، بالتوازي مع إطلاق إصلاحات داخلية لمعالجة تراجع الثقة الشعبية بالحركة ومواجهة السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى تقويض السلطة وإضعاف فرص إقامة الدولة الفلسطينية.
ويوضح هديب أن داخل حركة فتح برز خلال الفترة الأخيرة تياران أساسيان؛ الأول يركز على الحفاظ على السلطة الفلسطينية باعتبارها مدخلاً للدولة عبر استمرار المسار التفاوضي، والثاني يدفع باتجاه إعادة الاعتبار لمنطق التحرر الوطني عبر المقاومة الشعبية وتكثيف التحرك في المحافل الدولية لمحاصرة إسرائيل سياسياً وقانونياً.
ورغم ذلك، يرجّح هديب استمرار هيمنة ما وصفه بـ"تيار السلطة" داخل الحركة، ما يجعل احتمالات إطلاق استراتيجيات جديدة تتجاوز أوسلو محدودة، حتى في حال أقدم الكنيست الإسرائيلي على إلغاء الاتفاق.
ويتوقع هديب أن تتجه حركة فتح نحو إعادة تعريف نفسها كحركة تحرر وطني، من خلال تبني خطاب سياسي أكثر تشدداً، مع التلويح بالتحلل من بعض الالتزامات الأمنية، وتحميل إسرائيل مسؤولية انهيار أوسلو، إلى جانب تعزيز الحضور الفلسطيني في المؤسسات الدولية، وإحياء المقاومة الشعبية، مع الإصرار في الوقت نفسه على الحفاظ على السلطة ومنع انهيار مؤسساتها.

ليس بالضرورة الربط بين انعقاد المؤتمر والغاء أوسلو

يشدد الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش على أن محاولات أطراف اليمين الحاكم في إسرائيل الدفع باتجاه إلغاء اتفاقية أوسلو أو التنصل من التزاماتها لا ترتبط بشكل مباشر بانعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، معتبراً أن الربط بين الحدثين يفتقر إلى الدقة السياسية، لأن الدعوات الإسرائيلية لإنهاء الاتفاق ليست جديدة، بل تعود إلى سنوات، وتصاعدت بصورة أوضح خلال الأشهر الأخيرة من قبل وزراء في الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
ويوضح هواش أن توجهات اليمين الإسرائيلي نحو تقويض أوسلو تنسجم مع سياسة إسرائيلية متواصلة تقوم على تجاوز الاتفاق عملياً على الأرض، عبر إضعاف السلطة الفلسطينية ومنعها من الوفاء بالتزاماتها السياسية والاقتصادية تجاه المجتمع الفلسطيني، إلى جانب الاستمرار في التوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، والسيطرة على الموارد، والتضييق الاقتصادي، بما يشمل أموال المقاصة وحرمان العمال الفلسطينيين من العمل داخل إسرائيل.

دفع الفلسطينيين للتخلي عن طموحاتهم الوطنية

ويعتبر هواش أن هذه السياسات تعكس رؤية إسرائيلية تسعى إلى دفع الفلسطينيين للتخلي عن طموحاتهم الوطنية المتعلقة بحق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية، مقابل الإبقاء عليهم كسكان يملكون بعض الحقوق الفردية دون الاعتراف بحقوقهم القومية، بالتوازي مع محاولة السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وتقليص المسؤوليات الإسرائيلية تجاه السكان.
ويشدد هواش على أن تزامن الدعوات الإسرائيلية لإلغاء أوسلو مع انعقاد مؤتمر فتح الثامن لا يعني وجود علاقة سببية بينهما، معتبراً أن القضية تتجاوز حركة فتح لتشمل مجمل المؤسسات الفلسطينية الرسمية والأهلية والأطر والهياكل السياسية، في ظل ما وصفه بمحاولة إسرائيل، بدعم أميركي، تعطيل أي مساءلة دولية بشأن انتهاكاتها بحق الفلسطينيين، سواء في الأمم المتحدة أو المحاكم الدولية.

انقلاب إسرائيل على اتفاق أوسلو

ويرفض هواش تحميل اتفاقية أوسلو مسؤولية التدهور الحالي في أوضاع الفلسطينيين، مؤكداً أن الاتفاق –رغم الملاحظات عليه– وضع حدوداً قانونية وإدارية للاحتلال، وكان إطاراً انتقالياً لإنهاء الاحتلال خلال خمس سنوات، إلا أن إسرائيل انقلبت على الاتفاق وعلى فكرة التسوية السياسية بعد اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
ويشير هواش إلى أن المجتمع الدولي، رغم تمسكه الرسمي بحل الدولتين، يواجه تحدياً يتمثل في الدعم الأميركي الواسع للحكومة الإسرائيلية اليمينية، رغم وجود تحولات داخل المجتمع الأميركي تنتقد السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، إلى جانب تحركات أوروبية باتجاه فرض عقوبات على مستوطنين متورطين باعتداءات ضد الفلسطينيين.

المسؤولية لا تقع على فتح لوحدها

ويرى هواش أن المؤتمر الثامن لحركة فتح تقع على عاتقه بلورة برنامج سياسي واضح للتعامل مع المشروع الإسرائيلي القائم على التوسع الاستيطاني وتقويض الحقوق الفلسطينية، وتوفير أدوات فاعلة لتحقيق هذا البرنامج، من خلال تجديد الأطر القيادية لفتح والمنظمة والسلطة بالانتخابات الشاملة.
لكن هواش يؤكد أن المسؤولية لا تقع على فتح وحدها، بل على مجمل الفصائل الفلسطينية ومنظمة التحرير، عبر تطوير أدوات الصمود والنضال السياسي، وتعزيز الشراكات العربية والدولية، والحفاظ على إمكانية تطبيق حل الدولتين.
ويشدد هواش على أن الشعب الفلسطيني يواجه مشروعاً يستهدف وجوده وحقوقه الوطنية، ما يفرض على القوى الفلسطينية توحيد جهودها وبناء رؤية سياسية أكثر قدرة على مواجهة السياسات الإسرائيلية، مع تطوير أدوات العمل السياسي والدبلوماسي لحماية الحقوق الوطنية الفلسطينية ومنع تصفيتها.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا