سلط تقرير صحفي دولي الضوء على الاستراتيجية الهجومية المتطورة التي يتبعها حزب الله في مواجهته الحالية مع جيش الاحتلال، مشيراً إلى الاعتماد المتزايد على طائرات مسيرة انتحارية تعمل عبر تقنية الألياف الضوئية. وأوضح التقرير أن هذا السلاح الجديد أحدث ثغرة أمنية معقدة في المنظومة الدفاعية الإسرائيلية، حيث فشلت التكنولوجيا المتاحة لدى تل أبيب في إيجاد حل جذري لهذه الطائرات حتى اللحظة.
وذكرت المصادر أن حزب الله تمكن من تفعيل هذا النوع من المسيرات للالتفاف على نظام 'القبة الحديدية' الذي اعتمد عليه الاحتلال لسنوات طويلة للتصدي للصواريخ. وتتميز هذه الأجهزة بتكلفة تصنيع زهيدة جداً لا تتخطى بضع مئات من اليوروهات، وهي مصنوعة من مواد متاحة تجارياً، إلا أنها أثبتت فتكاً كبيراً تسبب في مقتل وإصابة عدد من جنود الاحتلال في المواقع الحدودية.
ونقلت التقارير عن باحثين في معهد دراسات الأمن القومي العبري أن التحكم في هذه الطائرات التي تعمل بتقنية 'الرؤية من منظور الشخص الأول' (FPV) يعد بسيطاً للغاية، بل وصفه البعض بأنه أسهل من ألعاب الفيديو. وتعتمد الطائرة على كاميرا تبث صوراً حية للمشغل، مما يمنح مقاتلي الحزب قدرة فائقة على توجيهها بدقة متناهية نحو أهداف عسكرية حساسة من مواقع محصنة وآمنة.
يكمن السر التقني لهذه المسيرات في ربطها بكابل دقيق جداً من الألياف الضوئية، وهو ما يلغي الحاجة تماماً لإرسال أو استقبال أي إشارات راديوية أثناء التحليق. هذا الارتباط المادي يجعل من المستحيل على أنظمة الحرب الإلكترونية والتشويش التابعة للاحتلال اعتراض الطائرة أو حرف مسارها، مما أدى إلى حالة من الشلل في أنظمة الدفاع التقليدية المنتشرة على طول الحدود.
وتشير التقديرات المستقاة من مصادر إعلامية عبرية إلى أن حزب الله خصص وحدة عسكرية تضم مئات المسلحين المتخصصين حصراً في تشغيل وإطلاق هذه المسيرات. وحسب المعطيات الميدانية، فقد أطلقت هذه الشبكة ما يقارب 160 مسيرة انتحارية، كان من بينها 90 طائرة تعمل بنظام الكابلات الضوئية، وغالباً ما يتم الإطلاق بعد عمليات استطلاع ورصد دقيقة للمواقع المستهدفة.
وأشارت التقارير إلى أن إيران، الداعم الأساسي للحزب، قد دفعت نحو تعميم هذا السلاح في ساحات صراع مختلفة بالمنطقة، بما في ذلك استخدامه ضد القوات الأمريكية في العراق. ومع استمرار التصعيد الميداني، كثف حزب الله من استخدام هذه التقنية رداً على غارات الاحتلال، مما ضاعف من حالة الإحباط داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نتيجة العجز عن مواجهة هذا التهديد المتنامي.
وتواجه قيادة الأركان العامة في جيش الاحتلال اتهامات داخلية بإهمال التحذيرات المبكرة التي أشارت إلى اقتباس حزب الله لتقنيات عسكرية ظهرت في الساحة الأوكرانية. وقد وصل الأمر إلى تدخل مباشر من بنيامين نتنياهو، الذي أصدر تعليمات مشددة للأجهزة الأمنية والتقنية بضرورة إيجاد وسيلة لإنهاء هذا التهديد الذي بات يستنزف القوات البرية بشكل يومي.
من جانبهم، يرى محللون عسكريون أن المحاولات الحالية للاحتلال لمواجهة المسيرات، مثل وضع شباك صيد أو صناديق معدنية فوق الآليات، هي حلول بدائية وغير فعالة. وأكد الخبراء أن هذه المسيرات أظهرت قدرة عالية على استهداف نقاط الضعف في دبابات 'ميركافا' المتطورة وناقلات الجند من طراز 'نمر'، بالإضافة إلى كبائن القيادة في الجرافات العسكرية الضخمة.
ووفقاً لإحصائيات صادرة عن إذاعة جيش الاحتلال، فإن المسيرات الانتحارية المنطلقة من لبنان كانت مسؤولة عن إصابة 37 جندياً من أصل 39 سقطوا خلال فترة لم تتجاوز ثلاثة أسابيع. وتؤكد هذه الأرقام حجم التأثير الميداني الكبير لهذا السلاح، الذي لم يقتصر ضحاياه على الجنود النظاميين بل شمل أيضاً مقاولين وعاملين في المنشآت العسكرية الحدودية.
وإلى جانب الأثر العسكري، يستغل حزب الله هذه المسيرات كأداة دعائية ونفسية قوية ضد الجبهة الداخلية للاحتلال، حيث تنشر منصاته الإعلامية مقاطع فيديو توثق لحظات الانقضاض على الأهداف. وتستخدم هذه المقاطع وسم 'الخيط الذي يغير المعادلة'، في إشارة إلى كابل الألياف الضوئية الذي يربط المسيرة بمشغلها ويمنحها الحصانة ضد التشويش.
وتهدف هذه الحملات الإعلامية المكثفة إلى رفع الروح المعنوية في البيئة الحاضنة للحزب في لبنان، والتي تعاني من آثار الحرب والنزوح الواسع منذ أشهر. ويرى مراقبون أن توثيق عمليات الاستهداف بدقة عالية يساهم في ترسيخ صورة 'العجز الإسرائيلي' أمام التقنيات البسيطة والمبتكرة التي يستخدمها المقاتلون على الجبهة الشمالية.
ورغم أن بعض الخبراء الأمنيين يستبعدون أن تؤدي هذه المسيرات وحدها إلى تغيير استراتيجي شامل في موازين القوى، إلا أنهم يقرون بتحولها إلى مصدر إزعاج واستنزاف هائل. وتظل هذه 'الخيوط الضوئية' تمثل تحدياً تقنياً وعملياتياً يفرض على جيش الاحتلال إعادة النظر في كامل منظومته الدفاعية المخصصة لحماية الحدود الشمالية.
المصدر:
القدس