آخر الأخبار

تهجير خربة يانون في نابلس: صراع الرواية والنكبة المستمرة

شارك

في مشهد يعيد للأذهان فصول النكبة الفلسطينية، أُسدل الستار على الحياة في القسم الشمالي من خربة يانون جنوب نابلس، بعد أن غادرت آخر العائلات الفلسطينية منازلها قسراً. ترك المهجرون خلفهم أثاث بيوتهم ومدرستهم ومسجدهم التاريخي، ليحل مكانهم مستوطنون شرعوا في تزييف الرواية عبر تصوير مقاطع فيديو تدعي 'هروب' السكان وترك ممتلكاتهم طواعية.

لم يكن الخروج من يانون قراراً سهلاً أو اختيارياً، بل جاء نتيجة حصار خانق وتضييق يومي مارسه المستوطنون بحماية قوات الاحتلال. المواطن راشد مرار، أحد المهجرين، يصف اللحظات الأخيرة بمرارة، مؤكداً أن التهديد بالقتل كان حاضراً في عيون المستوطنين الذين أمهلوهم ساعات قليلة لمغادرة مسقط رأسهم قبل إغلاق المنطقة بالكامل.

بدأت إجراءات التهجير الفعلي منذ أكتوبر 2023، حيث فُرض طوق عسكري ومدني على القرية شمل منع إدخال الأعلاف للمواشي وتفتيش السكان واحتجازهم. كما مُع الزوار والأقارب من دخول القرية، وتحولت حياة السكان إلى عزلة تامة وصفها البعض بأنها أشبه بـ'التوحد القسري' بعيداً عن محيطهم العربي.

في الثامن والعشرين من ديسمبر الماضي، نصبت قوات الاحتلال بوابة حديدية عند مدخل القرية، معلنةً تحويل القسم الشمالي إلى منطقة مغلقة. هذا الإجراء جاء بعد سنوات من الاعتداءات التي طالت مصادر الرزق، من منع الحراثة والرعي وصولاً إلى السيطرة على نبع المياه الوحيد الذي يغذي المنطقة.

يقول راشد مرار إن المستوطنين داهموا منزله وهددوه بالاعتقال والمحاسبة إذا حاول تصوير اعتداءاتهم، مؤكداً أن الجيش والمخابرات الإسرائيلية يوفرون الغطاء الكامل لهذه العصابات. وقد اضطر مرار لبيع جزء من قطيعه ونزح بما تبقى إلى بلدة عقربا المجاورة، حيث يعيش الآن في منشأة من الصفيح 'بركس' مستأجرة.

رئيس مجلس بلدي عقربا، غالب ميادمة، أكد أن يانون ليست مجرد تجمع زراعي، بل هي موقع تاريخي يضم آثاراً تعود للعهد العثماني وفترات أقدم. وأوضح أن التقسيمات الإدارية الناتجة عن اتفاق أوسلو جعلت القسم الشمالي (منطقة ج) لقمة سائغة للاستيطان، بينما يواجه القسم الجنوبي (منطقة ب) تهديدات مماثلة حالياً.

تُحيط مستوطنة 'إيتمار' والبؤر الاستيطانية التابعة لها بخربة يانون كإحاطة السوار بالمعصم، في خطة منهجية تهدف لإفراغ الأرض من أصحابها. وبحسب ميادمة، فإن البلدية حاولت توفير مقومات الصمود من خلال إعفاء السكان من الفواتير وتعبيد الطرق، لكنها تقف عاجزة أمام السلاح المنظم الذي يستخدمه المستوطنون.

من يقول إننا خرجنا بإرادتنا فهو كاذب، لا أحد يخرج من بيته إلا إذا رأى الموت في عينيه مرات لا تحصى.

يرى باحثون في الشأن الإسرائيلي أن ما يحدث في يانون هو تطبيق عملي لشعار 'احتلال، طرد، استيطان' الذي ترفعه الصهيونية الدينية الحاكمة. هذا الخطاب لم يعد يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل انتقل إلى 'لغة الغنيمة' عبر الاستيلاء على المباني والممتلكات الشخصية للفلسطينيين وتصويرها كحق مكتسب للمستوطنين.

إن تحويل مصطلح 'التهجير القسري' إلى 'هروب' في الخطاب الإعلامي للمستوطنين ليس عفوياً، بل هو محاولة لمحو الجريمة وتزييف الوعي الدولي. تهدف هذه السردية إلى تصوير الفلسطيني كشخص يتخلى عن أرضه، بينما الواقع يثبت أن البقاء كان مستحيلاً في ظل تهديد السلاح وقطع سبل العيش الأساسية.

المقارنة بين نكبة 1948 وما يحدث اليوم في يانون تظهر تطوراً في 'وقاحة' الخطاب الإسرائيلي، حيث بات الطرد يتم علانية وأمام الكاميرات. فبينما حاول اليسار الإسرائيلي قديماً تغليف التهجير بروايات بطولية، يفتخر اليمين الحالي بتهجير العرب وتوثيق القرى الفارغة كصورة انتصار يبثها لجمهوره.

بالنسبة لراشد مرار، فإن ما جرى هو 'نكبة ثانية' تفوق في قسوتها ما قرأه في كتب التاريخ، لأنها تحدث في عصر التوثيق والمنظمات الدولية. يشعر مرار بالقهر وهو يرى المستوطنين يتجولون في غرف منزله التي بناها بجهده، بينما يراقب هو قريته من بعيد عبر شاشة هاتفه المحمول.

تعتبر يانون نموذجاً مصغراً لما تخطط له جماعات الاستيطان في عموم الضفة الغربية، حيث يتم استهداف التجمعات الصغيرة والمعزولة أولاً. إن نجاح الاحتلال في إفراغ هذه الخربة يمهد الطريق لتكرار السيناريو في مناطق أخرى، مما يهدد الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة 'ج' بشكل كامل.

تستمر المعاناة الإنسانية للمهجرين في مراكز نزوحهم الجديدة، حيث يواجهون صعوبات اقتصادية واجتماعية جمة بعد فقدان أراضيهم ومصادر رزقهم. ورغم كل هذه الظروف، يبقى التمسك بالرواية الحقيقية هو السلاح الأخير للفلسطينيين في مواجهة محاولات محو هويتهم وتاريخهم من فوق هذه الأرض.

في نهاية المطاف، تظل يانون شاهدة على صراع الإرادات بين صاحب الأرض الذي أُخرج منها بقوة السلاح، وبين مستوطن يحاول سرقة الذاكرة قبل الجغرافيا. وتبقى البوابة الحديدية المغلقة عند مدخل القرية رمزاً لسياسة الفصل العنصري والتهجير التي لا تزال تضرب جذورها في قلب الضفة الغربية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا