شهدت مدينة برشلونة في نيسان/أبريل الماضي تجمعاً لافتاً ضم نخبة من القادة التقدميين في العالم، من بينهم الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا والرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم. كان الهدف الجوهري لهذا اللقاء هو تعزيز قيم التعددية والديمقراطية في مواجهة صعود اليمين المتطرف عالمياً، وتكريم تجربة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز.
يُعد سانشيز اليوم أطول زعماء يسار الوسط بقاءً في السلطة في العالم الغربي، وقد اكتسب شهرة دولية واسعة كونه القائد الأكثر جرأة في مواجهة سياسات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. فبينما اختار قادة آخرون تجنب الصدام مع واشنطن، اتخذ سانشيز مساراً مغايراً تماماً اتسم بالندية والوضوح.
تجلت هذه الندية في مواقف سيادية حازمة، حيث رفضت مدريد استخدام قواعدها العسكرية في أي مواجهة أمريكية محتملة ضد إيران، كما أدانت التدخل في الشؤون الفنزويلية لإطاحة نيكولاس مادورو. هذه الخطوات وضعت سانشيز في موقع الخصم اللدود للأجندة الترامبية في القارة الأوروبية وخارجها.
على صعيد حلف شمال الأطلسي (الناتو)، برز سانشيز كصوت وحيد عارض مطالب ترامب بزيادة الإنفاق العسكري بشكل مفرط العام الماضي. ولم يكتفِ بذلك، بل تصدى لتهديدات التعريفات الجمركية الأمريكية، مؤكداً على استقلالية القرار الأوروبي والإسباني في إدارة الملفات الاقتصادية الحساسة.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، قاد سانشيز حراكاً دبلوماسياً تاريخياً داخل الاتحاد الأوروبي للاعتراف بدولة فلسطين، واصفاً ما يحدث في قطاع غزة بأنه حرب إبادة. هذا الموقف المبدئي عزز من مكانته كزعيم أخلاقي في نظر القوى التقدمية العالمية، رغم الضغوط الدولية الكبيرة.
يرى منتقدو سانشيز أن سياساته، التي يصفونها بـ 'السانشية'، هي مجرد مناورات شعبوية تهدف للبقاء في السلطة بأي ثمن. إلا أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي في إسبانيا يقدم رواية مختلفة، حيث نجح في تحويل بلاده إلى معقل حصين للديمقراطية الاجتماعية في بيئة أوروبية مضطربة.
بدأت رحلة سانشيز نحو السلطة بأسلوب غير تقليدي، حيث استعاد قيادة الحزب الاشتراكي بجولات ميدانية بسيارته الخاصة للتواصل مع القواعد الشعبية. وفي عام 2018، نجح في تدبير أول تصويت ناجح بحجب الثقة في تاريخ إسبانيا الحديث، ليطيح بالحكومة المحافظة الغارقة في قضايا الفساد.
اتسمت فترة حكمه ببراغماتية عالية وقدرة على عقد تحالفات معقدة، كان أبرزها صفقة العفو عن الانفصاليين الكتالونيين في عام 2023. ورغم الجدل الواسع والاحتجاجات التي صاحبت هذا القرار، إلا أنه أدى في النهاية إلى استقرار سياسي وتراجع ملحوظ في النزعات الانفصالية داخل الإقليم.
تحت شعار 'التقدمية الناجحة'، حققت الحكومة الإسبانية قفزات اقتصادية مذهلة، حيث ارتفع الحد الأدنى للأجور بنسبة تجاوزت 60% خلال سبع سنوات. كما شملت الإصلاحات قوانين العمل التي حدت من البطالة وحمت حقوق العمال والنساء، مما خلق شبكة أمان اجتماعي قوية.
بحلول عام 2024، وصفت تقارير اقتصادية دولية إسبانيا بأنها الاقتصاد الغني الأفضل أداءً في العالم، متفوقة على العديد من جيرانها الأوروبيين. هذا النجاح استند إلى قطاعات السياحة المتطورة، وصادرات الخدمات عالية القيمة، والتحول السريع نحو الطاقة المتجددة وصناعة السيارات.
لم يغفل سانشيز الجوانب التاريخية، حيث عمل على تصفية تركة الديكتاتورية عبر نقل رفات الجنرال فرانكو من 'وادي الشهداء'. كما سن قانون الذاكرة الديمقراطية الذي يهدف لإنصاف ضحايا الحرب الأهلية، وهو ما اعتبره المحافظون خطوة مثيرة للانقسام بينما رآه التقدميون استحقاقاً وطنياً.
تعتمد 'المعجزة الإيبيرية' أيضاً على سياسة هجرة مرنة وسخية، حيث تم تشريع أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير الموثقين لسد فجوات سوق العمل. هذه السياسة تمنح الأولوية للاندماج الثقافي والاجتماعي، مما جعل إسبانيا نموذجاً مختلفاً عن جيرانها الذين يتبنون سياسات متشددة.
مع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة، تشير استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من نصف الإسبان ينظرون إلى السياسات الأمريكية الحالية كتهديد لأوروبا. هذا المناخ الشعبي يعزز من فرص سانشيز الذي جعل من مواجهة الترامبية ركيزة أساسية في خطابه السياسي وحملته الانتخابية المرتقبة.
في الختام، استطاع بيدرو سانشيز صياغة فلسفة حكم بديلة تثبت أن اليسار الوسطي يمكنه النجاح اقتصادياً دون التخلي عن مبادئه الاجتماعية. لقد أصبح نموذجاً يُحتذى به للقادة الذين يبحثون عن طريق ثالث يجمع بين الطموح المثالي والواقعية السياسية في عالم تتقاذفه أمواج التطرف.
المصدر:
القدس