د. قصي حامد: واشنطن تبدو بصدد التخطيط لمرحلة تتعلق بالضغط على إيران وتقليص فعالية مضيق هرمز كورقة ضغط تستخدمها طهران
نبهان خريشة: التحشيد لا يعني الانزلاق نحو حرب شاملة ويشكل جزءاً من المعركة بحد ذاتها بهدف رفع كلفة الرفض لدى الطرف المقابل وإجباره على إعادة حساباته
د. جمال حرفوش: المنطقة تقف أمام صراع على شكل النظام الإقليمي الجديد لكن كل ما يجري قد لا يضبط الانزلاق نحو حرب شاملة
د. سهيل دياب: خيار الحرب المفتوحة مع إيران لا يبدو مطروحاً بقوة في المرحلة الحالية حتى داخل أوساط الحزب الجمهوري الأمريكي
نعمان توفيق العابد: السيناريو الأقرب استمرار الحصار والضغوط السياسية والاقتصادية بانتظار نتائج التحركات الدبلوماسية مع بقاء احتمالات الحرب قائمة
رام الله - خاص بـ"القدس"-
يتصاعد المشهد العسكري في منطقة الخليج على وقع تحشيد أمريكي متزايد، شمل تعزيزات بحرية وجوية وتحركات لوجستية واسعة، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تقترب من مواجهة عسكرية مع إيران، أم أن واشنطن تستخدم القوة العسكرية كورقة ضغط لفرض شروط تفاوضية أكثر تشدداً.
ورغم بقاء احتمالات الضربات المحدودة أو التصعيد العسكري قائمة، فإن المشهد الإقليمي يبدو أقرب إلى مرحلة "عض أصابع" سياسية وعسكرية، تتداخل فيها حسابات الردع مع رهانات الوساطات الدولية، خصوصاً مع ترقب أدوار صينية وإقليمية محتملة لدفع مسار التهدئة، بحسب الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات.
الدبلوماسية القسرية
يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة د.قصي حامد أن التحشيد العسكري الأمريكي المتزايد في منطقة الخليج، لا يشير بالضرورة إلى قرار واشنطن بشكل حاسم بالذهاب إلى حرب شاملة، بقدر ما يعكس اعتمادها لاستراتيجية "الدبلوماسية القسرية" الهادفة إلى الضغط على طهران وإجبارها على تقديم تنازلات سياسية وأمنية في ملفات حساسة، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً في الوقت ذاته.
خنق أوراق القوة الإيرانية
وبحسب حامد، فإن الحشد العسكري في الخليج، إلى جانب الحديث عن اجتياحات برية محدودة أو استهداف مواقع داخل إيران، لا يمكن فصله عن سياسات الضغط الاقتصادي والعقوبات ومحاولات خنق أوراق القوة الإيرانية، وعلى رأسها مضيق هرمز، معتبراً أن هذه الأدوات تندرج ضمن مفهوم "التفاوض تحت التهديد".
ويشير حامد إلى أن الفجوة الواسعة بين ما تعرضه إيران وما تطلبه الولايات المتحدة تدفع واشنطن إلى تصعيد أدوات الضغط العسكري، لكن من المستبعد أن تلجأ الإدارة الأمريكية إلى نموذج حرب شاملة أو ضربات واسعة النطاق على كامل الأراضي الإيرانية، بل على أهداف محددة، بما يضغط على قدرة إيران الاقتصادية ويحد من هامش مناورتها.
ويرى أن واشنطن تبدو بصدد التخطيط لمرحلة قد تمتد لأربعة أشهر على الأقل، تتعلق بالضغط على إيران، والسعي إلى تقليص فعالية مضيق هرمز كورقة ضغط تستخدمها طهران.
ويعتقد حامد أن هذه السياسة تندرج ضمن الانتقال التدريجي من "الدبلوماسية القسرية" إلى ما يعرف بـ"الردع القسري"، أي استخدام القوة المحدودة إذا لم تحقق الضغوط أهدافها.
تحول ملحوظ بأهداف واشنطن من الحرب
ويعتبر حامد أن أهداف واشنطن من الحرب شهدت تحولاً ملحوظاً، إذ بات هناك إدراك أمريكي بصعوبة إسقاط النظام الإيراني بصورة مباشرة، الأمر الذي دفع إلى تغيير المقاربات باتجاه زيادة الضغوط الاقتصادية والعسكرية لإضعاف قدرة إيران على الصمود وانتزاع تنازلات تتعلق بالملف النووي، ومضيق هرمز، والسلوك الإقليمي الإيراني.
وحول السيناريوهات المحتملة، يؤكد حامد أن جميع الاحتمالات ما تزال قائمة، سواء التوصل إلى اتفاق إطار بين الطرفين، أو العودة إلى الضربات العسكرية، في ظل تمسك كل طرف بسقف مرتفع من المطالب ورغبته في الظهور بمظهر المنتصر.
ويوضح حامد أن إيران لا ترى نفسها خاسرة في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولذلك لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات واسعة في الملفات الأساسية، مستندة إلى قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي عبر التلويح بتداعيات مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط.
ويشير حامد إلى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى اتفاق يثبت أنها حققت مكاسب واضحة، خصوصاً في ظل اعتبارات تتعلق بهيبتها العسكرية وضغوط داخلية تواجه إدارة ترمب، سواء من التيار المحافظ داخل الحزب الجمهوري أو الحسابات الانتخابية المرتبطة بالانتخابات النصفية المقبلة.
ويلفت حامد إلى أن الدور الصيني قد يصبح عاملاً مؤثراً في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع الاتصالات المتوقعة بين واشنطن وبكين، إذ قد تسعى الصين إلى لعب دور ضامن أو وسيط لدفع إيران نحو تقديم تنازلات تقرّب وجهات النظر، لكن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متناقضة.
مرحلة ضغط سياسي وعسكري ونفسي
يرى الكاتب الصحفي نبهان خريشة أن التصعيد العسكري الأمريكي المتزايد في منطقة الخليج، وما يرافقه من تعزيزات بحرية وجوية وتحركات لوجستية متقدمة، لا يعني بالضرورة أن المنطقة باتت على أعتاب حرب شاملة مع إيران، بقدر ما يعكس مرحلة ضغط سياسي وعسكري ونفسي تقودها واشنطن بهدف انتزاع تنازلات إيرانية ضمن شروط تفاوضية أكثر تشدداً.
ويشير خريشة إلى أن حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن وجود نحو 50 ألف جندي أمريكي في المنطقة، بالتزامن مع تحركات لطائرات التزود بالوقود داخل المطارات الإسرائيلية، أثار تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مواجهة عسكرية فعلية أم أن ما يجري يدخل في إطار ممارسة ضغوط نفسية وسياسية على إيران.
في حين، يعتبر خريشة أن نشاط طائرات التزود بالوقود يحمل دلالات مهمة، إذ يستخدم هذا النوع من الطائرات عادة لدعم العمليات الجوية بعيدة المدى، بما قد يشير إلى استعدادات لسيناريوهات هجومية محتملة ضد أهداف إيرانية أو مواقع مرتبطة بحلفاء طهران، لكنه لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار نهائي بالحرب، بل قد يكون جزءاً من استراتيجية الردع وإرباك الخصم استخبارياً ونفسياً.
التحشيد جزء من المعركة
ويعتبر خريشة أن التحشيد في كثير من الأحيان لا يعني الانزلاق نحو حرب شاملة ويشكل جزءاً من المعركة بحد ذاتها، باعتباره رسالة قوة تهدف إلى رفع كلفة الرفض لدى الطرف المقابل وإجباره على إعادة حساباته.
ويشير خريشة إلى أن الولايات المتحدة تدرك جيداً أن أي حرب واسعة مع إيران ستكون مختلفة عن تجارب سابقة في المنطقة، فإيران تمتلك قدرات صاروخية وشبكات نفوذ إقليمية، وأدوات ضغط قادرة على تهديد القواعد الأمريكية وخطوط الملاحة والطاقة في الخليج، ما يجعل أي مواجهة مفتوحة ذات كلفة استراتيجية واقتصادية مرتفعة على العالم.
الضغط المتبادل دون الانزلاق لمواجهة شاملة
وحول السيناريوهات المحتملة، يرجّح خريشة استمرار سياسة الضغط المتبادل دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، عبر الجمع بين العقوبات الاقتصادية ورفع الجاهزية العسكرية مع إبقاء قنوات التفاوض غير المباشر مفتوحة.
ويشير خريشة إلى احتمال تنفيذ ضربات أمريكية أو إسرائيلية محدودة تستهدف منشآت عسكرية أو نووية أو مواقع لفصائل حليفة لإيران، إذا ما اعتُبر أن طهران اقتربت من "خطوط حمراء" معينة.
عض أصابع سياسي
ولم يستبعد خريشة سيناريو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع نتيجة خطأ في الحسابات أو ردود فعل غير محسوبة، لكنه يصف الحديث عن غزو بري أمريكي واسع لإيران بأنه يبدو حتى الآن أقرب إلى المبالغات الإعلامية، في ظل تعقيدات الجغرافيا الإيرانية وتجارب واشنطن السابقة في العراق وأفغانستان، إضافة إلى تراجع الحماسة داخل الولايات المتحدة لخوض حروب طويلة ومكلفة.
ويعتبر خريشة أن المنطقة تقف حالياً على حافة توتر مرتفع أشبه بـ"عض أصابع" سياسي وعسكري، حيث تسعى الأطراف إلى فرض شروطها عبر استعراض القوة دون الوصول إلى انفجار شامل، مع بقاء احتمال التصعيد قائماً.
رسالة ضغط متعددة المستويات
يعتبر أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل د.جمال حرفوش أن التحشيد العسكري الأمريكي المتزايد في منطقة الخليج، إذا صحت تقديراته الميدانية والسياسية، يمثل رسالة ضغط متعددة المستويات، هدفها إبقاء خيارات التصعيد العسكري قائمة بالتوازي مع رفع سقف الضغوط السياسية على إيران.
ويوضح حرفوش أن انتشار حاملات الطائرات الأمريكية، وتعزيز قدرات الطيران المتقدم، وتحريك طائرات التزود بالوقود، يعكس استعداداً لعمليات قد تكون طويلة الأمد، وليس لتحركات ظرفية محدودة، مع سعي واشنطن إلى إبقاء خيار الضربات الواسعة أو التدخل المحدود مطروحاً على الطاولة، حتى وإن لم تحسم بعد قرار الذهاب إلى حرب برية شاملة.
ويرى حرفوش أن الحديث عن حشد نحو 50 ألف جندي أمريكي يحمل دلالتين أساسيتين؛ الأولى ردعية تهدف إلى إيصال رسالة مباشرة لطهران بأن أي تصعيد سيترتب عليه ثمن مرتفع، والثانية تفاوضية، عبر تكثيف الضغط قبل أي تسوية سياسية محتملة، مؤكداً أن الولايات المتحدة عادة لا تلجأ إلى هذا المستوى من الحشد إلا عندما تسعى إلى فرض معادلة سياسية جديدة قوامها "اتفاق بشروطها أو مواجهة بشروطها".
ويشير حرفوش إلى أن الحديث عن تحريك طائرات التزود بالوقود داخل المطارات الإسرائيلية يعكس انتقال التفكير العسكري من مجرد الدفاع أو الرد المحدود إلى تجهيز مسرح عمليات يسمح بتنفيذ ضربات بعيدة ومتكررة ضد أهداف داخل العمق الإيراني.
الخليج يتحول لساحة اختبار كبرى
ويبيّن حرفوش أن الخليج يتحول مجدداً إلى ساحة اختبار كبرى بين الردع والحرب، في وقت لا ترغب فيه دول الخليج باندلاع مواجهة شاملة ستكون لها كلفة مباشرة، معتبراً أن التحشيد الأمريكي يحمل أيضاً رسالة للحلفاء مفادها بأن واشنطن ما تزال الطرف القادر على الإمساك بمفاتيح الأمن الإقليمي ومنع أي فراغ استراتيجي.
ويحذر حرفوش من أن أي غزو بري لإيران سيطرح إشكاليات عميقة تتعلق بميثاق الأمم المتحدة، إذ إن استخدام القوة العسكرية لا يعد مشروعاً قانونياً إلا في إطار الدفاع الشرعي عن النفس أو بتفويض من مجلس الأمن، فيما قد تؤدي الضربات الوقائية أو استهداف المنشآت النووية إلى تداعيات قانونية وسياسية خطيرة.
ويحذر أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة "حرب متصاعدة" بالمعنى السياسي والاستراتيجي، حتى وإن لم تتحول بعد إلى مواجهة شاملة.
خمسة سيناريوهات محتملة
ويطرح حرفوش خمسة سيناريوهات محتملة للمشهد المقبل، تبدأ باستمرار الضغط العسكري دون غزو بري، مروراً بحرب جوية وصاروخية محدودة تستهدف مواقع نووية أو عسكرية، أو توسع المواجهة عبر ساحات إقليمية متعددة كالعراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج، وصولاً إلى سيناريو الغزو البري المحدود كخيار أكثر كلفة وأقل عقلانية، وانتهاءً باحتمال الوصول إلى تسوية تحت النار" تتيح لجميع الأطراف حفظ مصالحها وتجنب الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
حالة من الترقب المشوب بالحذر
يوضح مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي أن الخيار العسكري لم يغب يوماً عن طاولة التفاوض غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً أن المشهد الإقليمي ما زال محكوماً بحالة من الترقب المشوب بالحذر، في ظل توازي الاستعدادات للحرب مع استمرار المساعي السياسية والدبلوماسية لتفادي انفجار واسع في المنطقة.
ويشير الرنتاوي إلى أن واشنطن وطهران تتعاملان مع المرحلة الراهنة وفق احتمالين متناقضين يسيران بالتوازي؛ أولهما إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية في أي لحظة، وثانيهما اندلاع مواجهة عسكرية قد تبدأ دون مقدمات.
ويلفت الرنتاوي إلى أن الولايات المتحدة تواصل تعزيز استعداداتها الميدانية عبر حشد قواتها، وإعادة تعبئة مخازن الذخيرة وتعويض النقص فيها، إلى جانب استعراض قدراتها العسكرية البحرية، فيما تواصل إيران الإعلان عن رفع مستوى الجاهزية العسكرية، وتطوير قدراتها الدفاعية والهجومية، بالتزامن مع استعراضات لغواصاتها وزوارقها الحربية، وسط تصاعد واضح في خطاب التحدي السياسي والميداني الإيراني.
إسرائيل الأكثر اندفاعاً نحو خيار الحرب
ويوضح الرنتاوي أن إسرائيل تبدو الطرف الأكثر اندفاعاً نحو خيار الحرب، لافتاً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدفع باتجاه توجيه ضربة واسعة لإيران، انطلاقاً من قناعة إسرائيلية بأن استهدافاً مكثفاً للبنى التحتية للطاقة والنفط والغاز والمواقع الاستراتيجية الإيرانية قد يدفع طهران إلى حافة الانهيار أو القبول بالشروط الأمريكية.
ويبيّن أن الولايات المتحدة، رغم إبقائها الخيار العسكري مطروحاً ضمن السيناريوهات المحتملة، لم تتخل بعد عن المسار السياسي، إذ ما تزال المفاوضات مستمرة، فيما تتكثف جهود الوسطاء وتتزايد الضغوط الدولية لإنقاذ فرص الحل الدبلوماسي.
ويتوقع الرنتاوي أن تشكل الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى بكين ولقائه بالرئيس الصيني شي جين بنغ محطة مؤثرة في هذا الملف، مرجحاً أن تضطلع بكين بدور أكثر وضوحاً في دفع مسار التهدئة.
ويؤكد الرنتاوي أن المنطقة لا تزال تعيش سباقاً محموماً بين قرع طبول الحرب وحراك الوسطاء والدبلوماسية، مع صعوبة الجزم بمآلات المشهد في ظل التعثر المتزايد للمفاوضات والتقلبات المرتبطة بمواقف الإدارة الأمريكية، ولا سيما طبيعة قرارات ترمب المتغيرة.
إسرائيل قاعدة مركزية لتجميع القوة العسكرية الأمريكية
يرى أستاذ العلوم السياسية د.سهيل دياب أن التحركات العسكرية الأمريكية المتزايدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك داخل إسرائيل، لا تعكس بالضرورة اقتراب اندلاع حرب واسعة مع إيران، معتبراً أن هذه التحركات تستند إلى جملة من الأسباب العسكرية والسياسية واللوجستية، أكثر من كونها مؤشراً مباشراً على مواجهة عسكرية وشيكة.
ويوضح دياب أن أحد أبرز أسباب إعادة التموضع العسكري الأمريكي يتمثل في التحولات التي طرأت على انتشار القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، مشيراً إلى أن استهداف غالبية هذه القواعد خلال الفترات الماضية دفع الولايات المتحدة إلى تحويل إسرائيل إلى قاعدة مركزية لتجميع القوة العسكرية الأمريكية، بما يشمل مخازن الأسلحة والذخائر المخصصة لمنطقة الشرق الأوسط والأسطول الأمريكي.
ويلفت دياب إلى أن جزءاً كبيراً من الذخائر التي كانت موزعة على قواعد أمريكية مختلفة جرى نقلها إلى إسرائيل، الأمر الذي أثار حالة من القلق داخل الأوساط الإعلامية الإسرائيلية لأسباب أمنية تتعلق بحجم التركيز العسكري داخلها.
محدودية الفاعلية العسكرية للأساطيل البحرية الأمريكية
ويبيّن دياب أن السبب الثاني يعود إلى محدودية الفاعلية العسكرية للأساطيل البحرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، لافتاً إلى أن حاملات الطائرات والبارجات البحرية باتت مضطرة إلى الابتعاد عن السواحل الإيرانية ومضيق هرمز والبحر العربي، خشية تعرضها للاستهداف المباشر، ما قلل من قدرتها على أداء دور القواعد العسكرية المتحركة كما في السابق. وبحسب دياب، فإن هذا الواقع دفع واشنطن إلى الاعتماد بصورة أكبر على اليابسة الإسرائيلية بوصفها قاعدة عسكرية آمنة وثابتة لتخزين السلاح وإدارة الانتشار العسكري.
رسالة طمأنة للحلفاء الإقليميين
ويشير دياب إلى أن التحرك العسكري الأمريكي يحمل أيضاً بعداً سياسياً ورسالة طمأنة إلى الحلفاء الإقليميين، خصوصاً في الخليج، مفادها بأن الولايات المتحدة ما زالت حاضرة بقوة وتمتلك أدوات الردع العسكرية، بما في ذلك الشراكة الأمنية مع إسرائيل، رغم التوترات القائمة في المنطقة.
ويعتبر دياب أن الخيارات الأمريكية تجاه إيران تبدو محدودة وضاغطة زمنياً، في ظل استحقاقات سياسية واقتصادية متلاحقة تواجه الإدارة الأمريكية، من بينها الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الصين، والملفات الاقتصادية المرتبطة بالتجارة الدولية وأسعار النفط، إضافة إلى الاستعدادات الداخلية للاستحقاقات السياسية المقبلة، بما فيها انتخابات التجديد النصفي.
ويرى دياب أن خيار الحرب المفتوحة مع إيران لا يبدو مطروحاً بقوة في المرحلة الحالية، حتى داخل أوساط الحزب الجمهوري الأمريكي، موضحاً أن تجارب المواجهات العسكرية السابقة ومحاولات فرض حصار واسع على إيران لم تحقق النتائج المرجوة، كما أن الجهود الأمريكية لحشد دعم أوروبي ودولي أوسع اصطدمت بتحفظات متزايدة، لا سيما من دول أوروبية وخليجية تخشى تداعيات التصعيد الأمني في منطقة الخليج.
ويرجّح دياب أن تتجه الولايات المتحدة نحو الإبقاء على صيغة "اللاحرب واللاسلم"، مع استمرار المسار الدبلوماسي بوصفه الخيار الأكثر واقعية.
البحث عن دور صيني محتمل
ولم يستبعد دياب أن تتحول زيارة ترمب إلى بكين إلى محطة رئيسية للبحث في دور صيني محتمل في حماية الملاحة بمضيق هرمز ودفع جهود الوساطة الدولية، مرجحاً بروز وساطة صينية أو صينية–روسية، إلى جانب أدوار إقليمية تقودها دول مثل قطر والسعودية وباكستان، بهدف إبقاء الملف الإيراني ضمن المسار السياسي وتفادي الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
ترمب وتحقيق صورة النصر السياسي
يعتبر الكاتب والباحث السياسي والمختص في العلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن جوهر الأزمة المتصاعدة بين واشنطن وطهران يتمثل في سعي الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترمب، إلى تحقيق "صورة نصر سياسي"، عبر محاولة فرض ما تعتبره طهران صيغة استسلام وإذعان من خلال الورقة الأمريكية المطروحة للتفاوض.
ويوضح العابد أن الضغوط الأمريكية على إيران لا تنفصل عن المسار العسكري والسياسي الذي انتهجته واشنطن خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى أن الحرب التي استمرت 12 يوماً، تلتها جولة تصعيد أخرى امتدت 40 يوماً، إضافة إلى تشديد الحصار على الموانئ الإيرانية ومجمل الاقتصاد الإيراني، تندرج جميعها ضمن أدوات ضغط متراكمة تهدف إلى دفع طهران نحو توقيع الاتفاق وفق الرؤية الأمريكية ومن دون تعديلات تمس الأسس الجوهرية التي وضعتها واشنطن.
النهج التفاوضي الأمريكي بطرح "صفقة جاهزة"
ويبيّن العابد أن النهج التفاوضي الأمريكي يقوم على طرح "صفقة جاهزة" تسعى الإدارة الأمريكية إلى فرضها مع هامش محدود للتعديلات الشكلية، دون المساس بالأهداف الاستراتيجية الأساسية.
ويلفت العابد إلى أن أي رد إيراني لا يتماهى بصورة كاملة مع الرؤية الأمريكية يواجه رفضاً مباشراً من واشنطن، وهو ما انعكس في الموقف الأمريكي من الرد الإيراني الأخير.
ويشير العابد إلى أن تصريحات ترمب الأخيرة، التي شكك فيها بمن يمثل النظام الإيراني، حملت بعداً وصفه بـ"الإهانة السياسية"، معتبراً أن ترمب يتصرف انطلاقاً من قناعة بأنه أضعف النظام الإيراني أو أحدث تحولاً داخله، في إطار تقديم الحرب باعتبارها حققت أهدافها.
رفض إيران للإملاءات
ويشدد العابد على أن العقلية السياسية الإيرانية لا تقبل الإملاءات أو لغة الإهانة، وهو ما يفسر استمرار الرفض الإيراني للضغوط الأمريكية.
ويشير العابد إلى أن الرد الإيراني على الورقة الأمريكية استند بصورة رئيسية إلى غياب الثقة بالولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة في ضوء تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي تحدث فيها عن أن الحرب على طهران لم تنتهِ بعد، ومن هنا، جاءت المطالب الإيرانية بضمانات دولية واضحة تتعلق بإنهاء الحرب وعدم تجددها، وضمان سير المفاوضات وأي اتفاق محتمل ينتج عنها.
"تفكيك الملفات" عبر خطوات تدريجية
ويؤكد العابد أن طهران تسعى أيضاً إلى "تفكيك الملفات" عبر خطوات تدريجية، تشمل مهلة زمنية بعد فك الحصار عن الموانئ الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز، إلى جانب الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، مشيراً إلى أن إيران تستند في حذرها الحالي إلى دروس مستخلصة من تجارب تفاوضية سابقة في المنطقة، وتخشى تكرار نماذج اتفاقات لم تُنفذ بنودها كاملة.
التصعيد العسكري المؤجل
ويرجّح العابد أن يبقى التصعيد العسكري مؤجلاً إلى ما بعد زيارة ترمب المرتقبة إلى الصين، موضحاً أن الرئيس الأمريكي قد يلجأ إلى مقاربة "تبادل الملفات" مع بكين، بما يتيح للصين لعب دور وساطة أو المساهمة في إدارة الملف الإيراني مقابل تفاهمات في ملفات أخرى، بالتوازي مع وجود أدوار إقليمية ودولية داعمة للمسار التفاوضي.
ويعتقد العابد أن السيناريو الأقرب حالياً يتمثل في استمرار الحصار والضغوط السياسية والاقتصادية بانتظار نتائج التحركات الدبلوماسية، مع بقاء احتمالات الحرب أو تنفيذ عمليات عسكرية محدودة وقائمة، خصوصاً إذا أخفقت الجهود السياسية أو تعثرت الحسابات الأمريكية المرتبطة بالملف النووي الإيراني والاستقرار الداخلي في إيران، محذراً من أن تداعيات أي تصعيد إضافي لن تقتصر على طهران وحدها، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي وحركة التجارة والطاقة الدولية.
المصدر:
القدس